Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

حقائق هامّة ومفيدة عن عالمنا المُصغّر .. عالم الذرّة

كل الأشياء التي تراها في هذا الكون تشترك في حقيقة هامة وهي انها تتكون جميعاً من ذرّات؛ فالذرّات هي جزيئات المادة ووحداتها الأصغر حجماً والتي تعتبر اللبنة الاساسية لعناصر المادة ونظائرها، كل مادة سواءاً كانت سائلة او صلبة او غازية تتكون من ذرّات، الذرّات صغيرة جداً وتُقاس بوحدة البيكومتر (متر مقسوماً على تريليون) وهو حجم صغير جداً لدرجة ان عرض شعرة واحدة فقط من شعر الإنسان يتكون من مليون ذرّة كربون. لهذه الأسباب من الجيد ان نعرف المزيد عن الذرّات .. ذلك العالم الغامض، عالمنا المُصغّر، إليكم عدة حقائق هامّة ومفيدة عنها.

فكرة ان المادة تتكون من وحدات أصغر هي فكرة قديمة نسبياً وقد ظهرت في ثقافات وحضارات عدة أشهرها اليونانية والهندية فكلمة ذرّة كما سنبين في الاصل كلمة يونانية، ولكن تلك الأفكار كانت مبنية على استنتاجات فلسفية ولاهوتية وليست مبنية على استدلالات علمية وتجريبية لذلك كانت فكرتهم عما تبدو علية الذرّة وسلوكها خاطئ تماماً لذلك لم يذعن أحد لتلك الفكرة حتّى  بداية القرن التاسع عشر وتحديداً على يد العالم جون دالتون والذي رأى ان النظرية الذرّية يمكن ان تفسر العديد من الظواهر مثل سبب امتصاص الماء للغازات المختلفة بنسب مختلفة حيث يمتص الماء غاز اول اكسيد الكربون بكميات اكبر من غاز النتروجين افترض دالتون ان السبب يرجع الى كتلة وتركيب جزيئات تلك الغازات (ذرّات اول اكسيد الكربون اثقل واكبر من ذرّات النتروجين).

ذرّات وجزيئات مختلفة كما ظهرت في كتاب جون دالتون الذي نشره عام 1808
ذرّات وجزيئات مختلفة كما ظهرت في كتاب جون دالتون الذي نشره عام 1808

تلى ذلك الإكتشاف العديد من الإكتشافات الأخرى منها اكتشاف الإلكترون والنظائر وصولاً إلى نموذج نيلز بور في عام 1913 حيث اقترح بور ان الإلكترونات تدور حول الذرّات في مسارات مقيدة ومكمّمة ويمكنها الانتقال من مسار لأخر ولكن لا يمكنها ان ان تتحرك بحرية للداخل او الخارج ويجب على الإلكترون ان يمتص أو يُشع مقدار معين من الطاقة لينتقل بين تلك المدارات الثابتة (لكل مدار طاقة معينة ولكي ينتقل الإلكترون من مدار اقل إلى اخر اعلى لابد ان يمتص طاقة تكافئ الفرق بين طاقة المداريين وعند حدوث العكس يفقد الإلكترون نفس مقدار الطاقة).

تتكون الذرة من ثلاثة اجزاء رئيسية، البروتون والذي يتميّز بشحنة كهربائية موجبة ونجده دائماً مرتبطاً داخل نواة الذرّة بالنيوترون الذي يمثل الجزء الثاني ولا يمتلك شحنة كهربائية والجزء الثالث والأخير يتمثل في الإلكترونات ذات الشحنة السالبة والتي تدور باستمرار حول النواة.

شكل توضيحي لفكرة مدارات الإلكترونات حول النواة وكيفية انتقالها من مستوى لأخر
شكل توضيحي لفكرة مدارات الإلكترونات حول النواة وكيفية انتقالها من مستوى لأخر

الذرّات هي أصغر الجزيئات التي يمكن ان تتكون منها العناصر وهي وحدة بناء الماة الأساسية، كل عنصر يحتوي على عدد مختلف من البروتونات، على سبيل المثال كل ذرّات الهيدروجين تملك بروتوناً واحداً بينما تمتلك أي ذرّة كربون ستة بروتونات، بعض المواد تتكون من نواع واحد فقط من الذرّات مثل الذهب بينما هناك مواد أخرى تتكون من ذرات مختلفة مرتبطة ببعضها لتشكل مركبات، كلوريد الصوديوم كمثال يتكون من ذرات الكلور والصوديوم.

معظم مساحة الذرة من الداخل ما هي إلا فراغ (99.9 % تحديداً)، ونلاحظ ان النواة كثيفة جداً وتشكل تقريباً كل كتلة الذرة، وتبقى الالكترونات التي لا تشكل كتلتها شيئاً مقارنة بالنواة إذ نحتاج 1836 الكترون لنصل لحجم بروتون واحد فقط من البروتونات الموجودة في النواة كما ان المدارات التي تدور فيها الالكترونات بعيدة جداً عن النواة. لو تخيلنا الذرة بحجم ملعب رياضي ستكون النواة بحجم حبة البازلاء، وبالرغم من ان النواة اكثر اجزاء الذرة كثافة وكتلة مقارنة بباقي الأجزاء إلا انها أيضاً تتكون في الغالب من فراغ.

يوجد الأن ما يزيد عن 100 نوع مختلف من الذرّات، 92 منها تحدث طبيعياً أي نجدها في الطبيعة بينما يتم انتاج الأنواع الاخرى في المعامل لأغراض مختلفة، أول ذرّة من صنع الإنسان كانت ذرة التيكنيتيوم – technetium والتي تمتلك 43 بروتوناً. تعتمد فكرة صنع ذرّات جديدة على إضافة المزيد من البروتونات إلى نواة الذرّة، يجدر الاشارة الى ان هذه الذرّات (العناصر) الجديدة غير مستقرة وتتلاشى (تنحل) إلى ذرّات اصغر حجماً بشكل آني وفي الغالب نتمكن من معرفة ما اذا كنا قد خلقنا ذرّة جديدة أم لا من خلال الذرات الصغيرة التي تبقى بعد الإنحلال.

بالرغم من أن الذرّات هي أصغر الوحدات التي تتكون منها المادة إلا أنها تتكون من وحدات أخرى أصغر حجماً تسمى كواركات وليبتون، يعتبر الالكترون ليبتون بينما تتكون كل من البروتونات والنيوترونات من ثلاثة كواركات لكل منهما.

atom

تتماسك مكونات الذرة بفضل ثلاث ثوى مختلفة، البروتونات والنيوترونات تتماسك مع بعضها بواسطة القوى النووية الضعيفة والقوية، أمّا الإلكترونات والبروتونات فتتماسك مع بعضها بفضل قوى الجذب الكهربي (شحنات كهربية مختلفة). وبالطبع لتكدس البروتونات داخل النواة ولأنها تحمل نفس الشحنة تعمل قوى التنافر الكهربائية على دفع البروتونات بعيداً عن بعضها البعض ولكن قوى جذب النواة أكبر من قوى التنافر الكهربي لذلك تبقى النيوترونات مستقرة في موضعها، القوى النووية التي تربط البروتونات والنيوترونات ببعضها البعض أقوى من قوى الجاذبية المألوفة لنا بـ 1038 مرة ولكن يظهر تأثيرها فقط عندما تكون المسافة بين الاجسام قصيرة لذلك لأبد أن تبقى الجزيئات بالقرب من بعضها لتشعر بتلك القوى وتبقى متماسكة.

كلمة ذرّة – Atom مصدرها هو الكلمة اليونانية “uncuttable” أو “undivided” بمعنى الغير قابل للإنقسام، الفلاسفة اليونانيين اعتقدوا ان المادة تتكون من جزيئات اساسية لا يمكن ان تنقسم لأجزاء أصغر ولفترة طويلة اعتقد الناس ان الذرّة هي ذلك الجزء الذي لا يمكن أن يتجزأ أكثر من ذلك، بالرغم من ان الذرّات بالفعل هي الوحدة الأساسية لبناء المادة إلا أنه يمكن لها ان تنقسم إلى أجزاء أصغر،  كما يحدث في حالات الإنشطار النووي وإنحلال المادة عندما تنقسم الذرات إلى ذرّات أخرى أصغر.

الذرّات صغيرة جداً ولا يمكن أن تُرى الا عبر المايكروسكوب الالكتروني، يصل متوسط قطر الذرّة الى أقل من متر واحد مقسوماً على مليار، الذرّة الأكبر حجماً على الإطلاق هي ذرّة السيزيوم ويصل حجمها الى تسع اضعاف حجم أصغر ذرة على الإطلاق وهي ذرّة الهيليوم.

شكل حقيقي لذرة الهيليوم، تظهر النواه باللون الوردي والمحيط الأسود حولها يمثل السحابة الإلكترونية للذرّة، وفي الجزء العلوي تقريب لما بداخل النواه.
شكل حقيقي لذرة الهيليوم، تظهر النواه باللون الوردي والمحيط الأسود حولها يمثل السحابة الإلكترونية للذرّة، وفي الجزء العلوي تقريب لما بداخل النواه.

الذرّة الأكثر وفرة في الكون هي ذرّة الهيدروجين، ما يقرب من 76% من الذرّات الموجودة في مجرة درب التبانة عبارة عن ذرّات هيدروجين. في جسدك ما يقرب من 7 مليار مليار مليار ذرّة ومع ذلك فإن جسدك يقوم بإستبدال 98% من هذه الذرّات سنوياً.

تتواجد الذرّات إمّا في حالة متعادلة كهربياً او متأينة، في حالتها المتعادلة يكون عدد البروتونات مساو لعدد الإلكترونات وبالتالي يلاشي كل منهما تأثير الأخر، وفي حالتها المتأينة يكون عدد احدهما اكبر من الأخر وبالتالي تكون الذرّة إمّا موجبة او سالبة الشحنة.

يتم تصنيف الذرّات وفقاً لعدد البروتونات والنيوترونات الموجودة بها، من خلال عدد البروتونات يتم تحديد أي العناصر الكيميائية التي تنتمي إليها الذرّة (جميع ذرّات النحاس مثلاً تحتوي على 29 بروتون) بينما يتم تحديد نظير العنصر الذي تنتمي له الذرّة من خلال عدد النيوترونات، لكل عنصر هناك على الأقل نظير واحد وقد يكون للعنصر أكثر من نظير. أمّا الخصائص الكيميائية والمغناطيسية للذرّة فيتم تحديدها وفقاً لعدد الإلكترونات.

Atom_diagram

من غرائب عالم الذرّات ما يعرف بالقفز الكمّي، عندما ينتقل إلكترون من مستوى طاقة إلى أخر فهو لا ينتقل من خلال الفراغ الموجود بين مستويات الطاقة وإنما يختفي من المستوى الأول ليظهر فجأة في المستوى الثاني

الذرّات والجزيئات دون الذرية تتصرف بطرق غريبة وخاصة لا يمكن تفسيرها في ظل قوانين الفيزياء الكلاسيكية لهذا السبب ظهر علم ميكانيكا الكمّ او فيزياء الكمّ لتفسير بُنية وتركيب وسلوك الذرّات.

لا يمكننا الجزم بأن كل المواد في الكون تتكون من ذرّات بالرغم من ان كل العناصر التي تم ملاحظتها إلى الأن تتكون بالفعل من ذرّات ولكن بعض الملاحظات الفلكية والفضائية تفيد بأن معظم المادة الموجودة في الكون هي المادة السوداء والتي تتكون من جزيئات لا نعرف نوعها إلى الأن.

كل ذرّة من ذرّات المواد العناصر المختلفة لها ذرّات مضادة تتميز بشحنات مختلفة عن الأصلية، البوزيترون مثلاً ذو الشحنة الموجبة هو مضاد الإلكترون، عندما تتقابل ذرّة مع ذرّة مضادة يلاشي ويدمر كل منهما الأخر ولهذا السبب بالإضافة لعدم التوازن بين عدد الذرّات والذرّات المضادة نجد ان الذرّات المضادة نادرة في الكون ولا يوجد تفسير واضح لعدم التوازن ذاك حتّى اليوم سوى بعض النظريات التي تحدثنا عنها في مقالات سابقة وكنتيجة لكل ما سبق لم يتم اكتشاف اي مادة مضادة في الطبيعة ولكن تمكن العلماء في مختبر سيرن بجنيف عام 1996 من انتاج ذرّة هيدروجين مضادة صناعياً.

Schematicky_atom

 

المصادر 1 2 3 4 5

Comments

comments

Written by طارق عابد

مهندس اتصالات ومترجم وكاتب علمي، أحب القراءة والكتابة.

Follow

124 posts

3 Comments

Leave a Reply
  1. وبالأخير نقول سبحان الخالق الواحد الأحد، لا اله الا هو خلق كل شيئ لنتأمل ونستفيد منه. سبحان الله على ما خلق.

اترك رد