Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

الثقافه والتنميه

إن التنمية مفهوم لا ينتمى الى علم واحد بل لابد من تعاون العديد من العلوم المختلفة والتخصصات المتباينة جنبا الى جنب لتحقيق التنمية، فلقد ثبت عقم تفسير الظاهرات بالعامل الواحد وأصبح اتجاه الدراسات المعاصرة يقوم على مبدأ التكامل، وقد اختلف المفكرون الاجتماعيون فيما بينهم فى تحديد لمفهوم التنمية وأبعادها ومعوقاتها، كما أن البعض يفرق بين ( التنمية الاجتماعية ) و ( تنمية المجتمع ) على أساس أن الأول يهتم بالخدمات الاجتماعية الصرفة، أما الثانى فتدخل فيه الخدمات الاجتماعية والخدمات الاقتصادية جميعا ويطبق أساسا فى المجتمعات المحلية.

أيضا لا يمكننا الفصل بين التنمية الاقتصادية والتنمية الاجتماعية، لقد كتب انجلز فى رسالة الى ستاركنبرج يقول فيها ” إن التطورات السياسية والقانونية والفلسفية والدينية والأدبية والفنية وغيرها تقوم كلها على أساس من التطورات الاقتصادية ، غير أنها جميعا تؤثر أيضا إحداها فى الأخرى كما تؤثر فى الأساس الاقتصادى، وليس الوضع الاقتصادى هو العنصر الفعال الوحيد – فى حين تلتزم العناصر الأخرى بموقف سلبى – بل هناك بالأحرى تأثير متبادل ، على أساس من الضرورة الاقتصادية التى يتبين دائما أنها العنصر الحاسم فى آخر الأمر”، حيث إن مضمون المجتمع هو انتاج الحياة واعادة انتاجها – ابتداء من الحقيقة البسيطة القائلة بأن الكائنات البشرية ينبغى أن تأكل وتشرب وأن تسكن وتلبس ،  وانتهاء بذلك العدد الهائل من الآلات والمعدات والقوى الانتاجية الحديثة – والأشكال التى تتخذها أشكال التنظيم الاجتماعى ، والمؤسسات الاجتماعية ، والقوانين ، والآراء ، والمعتقدات- كل هذه الأشكال تتنوع فيما بينها تنوعا كبيرا ، وهى تتلاءم لفترة من الزمن مع حالة قوى الانتاج ، ثم تتناقض معها ، فتصبح جامدة ومعوقة ، ويكون لابد من تجديدها المرة تلو الأخرى.

وللتنمية تعريفات عديدة، ومن بينها التعريف الذى اصطلحت عليه هيئة الأمم المتحدة عام 1956، والذى ينص على أن ” التنمية هى العملية التى بمقتضاها يتم توجيه الجهود لكل من الأهالى والحكومة لتحسين الظروف الاجتماعية والاقتصادية فى المجتمعات المحلية لمساعدتها على الاندماج فى حياة الأمة والاسهام فى تقدمها بأقصى مايمكن ” .

ولكن الأنثروبولوجى المصرى الدكتور أحمد أبو زيد يرى أن .. مفهوم التنمية والمصطلحات المتصلة به مثل  ” التنمية الشاملة ” .. و .. ” التنمية المستدامة ” كلها صناعة غربية لجأ اليها العلماء والمفكرون السياسيون فى الغرب لترسيخ النظرة الغربية الاستعلائية فى التمييز والتفرقة بين ” المجتمعات الغربية الراقية المتقدمة ” .. ” والمجتمعات اللاغربية ” .. التى يطلق عليها الآن اسم المجتمعات( النامية ) كبديل مهذب عن كلمة المجتمعات ( المتخلفة ) التى كانت تستخدم الى ما قبل العقد السادس من القرن الماضى ..  فاالاستعمار يعزو تردى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى تلك البلاد الى طبيعة التكوين الذهنى والاستعداد النفسى لهذه الشعوب ، الى جانب الظروف البيئية غير المواتية والتى تعجز تلك الشعوب عن السيطرة عليها أو التحكم فيها نتيجة لذلك القصور الطبيعى فى قدراتها .

ولكن الحقيقة هى أن أحد أهم أسباب فشل معظم جهود التنمية فى العالم الثالث هو عدم الاهتمام بما فيه الكفاية بالثقافات الوطنية فى تلك المجتمعات ، واغفال مقتضياتها ومتطلباتها عند التخطيط والتنفيذ .
فمثلا .. ” الرامايانا ” .. كما يقول الدكتور أحمد أبو زيد فى دراسة له باسم الملاحم كتاريخ وثقافة والمنشورة بمجلة عالم الفكر، المجلد السادس عشر – العدد الأول – أبريل- مايو- يونيه 1985 يقول إن الرمايانا ليست مجرد جزء من التراث الهندى القديم وانما تمثل جزءا من الواقع الحى فى المجتمع الهندى الحديث .. ولا تزال شخصيات الملحمة- وخصوصا الأبطال – يجسدون المثل الأعلى الذى يتمثل به الهندوس .. وربما كان هذا أوضح بالنسبة لمحاكاة النساء لبطلة الملحمة ( سيتا ) فى إخلاصها ووفائها لزوجها ، وتمسكها بصيانة عفتها وشرفها .. إذ تتم تنشئة الفتاة الهندوسية وتربيتها على النمط الذى يميز سلوك ( سيتا ) وتصرفاتها وفكرتها عن الواجبات الزوجية والعائلية ونظرتها بوجه خاص الى الزوج .. ولقد دخل ( راما ) الى الضمير الشعبى هناك .. وتغلغل فيه بطريقة أخرى أكثر دلالة وأهمية.

وعلى ذلك فدراسة ( الرامايانا ) لا تعتبر مجرد دراسة لجزء من تراث الماضى وأحداثه وأساطيره ، وانما هى دراسة لصورة المجتمع الهندوكى كما يتمثل فى ذلك العمل الابداعى الذى يحتوى على كثير من التفاصيل والمعلومات الهامة .. وهذا يبين مدى علاقة الملحمة القديمة بحياة المجتمع الهندوسى المعاصر.

ويقول ” جو مارى شانكر ” فى مقال له عام 1998 فى نشرة ( اكسبرس ) التى يصدرها المركز الدولى لمعلومات التنمية  بكندا .. ” إن مفهوم التنمية لم يعد قاصرا الآن على محاولة اللحاق إقتصاديا بالدول الأكثر تقدما بقدر ما يهتم بالكشف عن قدرات الشعوب ودراستها دراسة عميقة .. لفهمها والاسترشاد بها، كما يعنى أن التنمية ذاتها خرجت من نطاق الاقتصار على الاهتمام بمشكلات اقتصادية ضيقة محدودة ومحددة والانطلاق إلى مجالات أوسع وأرحب يصعب تناولها بكفاية من دون الإحاطة الشاملة والدقيقة بتلك الثقافات الوطنية .. كما أن الالتفات الى هذه الثقافات .. لا يعنى فقط معرفة مدى تقبل تلك الثقافات للمشروعات المقترحة من الهيئات والمنظمات الغربية ولاحتى مجرد الاسترشاد بالعادات والأعراف والقيم الثقافية التقليدية فى وضع مشروعات التنمية ..  وانما هويقتضى فى الوقت ذاته التعرف على الهوية الثقافية للمجتمع .. لأن هذه الهوية تختلف من دولة لأخرى .. وحتى داخل الدائرة الثقافية الواحدة التى تنتمى اليها هذه الدول.

كذلك تقول الدكتورة نعمات أحمد فؤاد فى كتابها  ( الأدب والحضارة ) ..
” إن اعتماد الحضارة الحديثة على العقل وحده أفقدها الكثير من نعيم النفس والروح ..إن العصر الحاضر سباق مدنيا ، ولكنه معنويا معدم ، لا يعرف كيف يعيش، كيف يحب .. كيف يكره .. ليس عنده ” فن الحياه ” .. وأزمة الانسان المعاصر .. أن التربية قد عنيت بذهنه دون وجدانه .. فعجز عن إيجاد المعادل المعنوى للتقدم العلمى الذى أحدثه العقل – الذى يهدد الانسانية بالدمار – لأن العقل مارد .. بقدر مايصنع الكثير .. يستطيع أن يدمرفى لحظة مابناه فى سنين .. فالحضارة الحديثة على نقيض الحضارة القديمة  .. هى حضارة كم .. لا كيف .. إن ناطحات السحاب بناء .. أما الهرم عمارة، أى أنه بناء حلت فيه القيمة .. سكنت .. الهرم يشغل الفضاء بالكم .. ويشغل الأرض بالكيف .. ويشغل التاريخ بالتسجيل .. ويشغل الناس بالتفكير .

والدول لا تصنع الحضارة إلا إذا أمنت واطمأنت .. فعملت وجودت فى العمل .. وربحت تجارتها .. ثم افتنت وابتكرت وأبدعت  .. فالحضارات الكبيرة إقترنت بإبداعات ثقافية كبيرة .. إذ اقترنت الحضارة المصرية مثلا بمتون الأهرام .. وحكم أمينوبى وأمنحتب .. وشعر بثناؤر .. وتسابيح إخناتون . والحضارة الصينية إقترنت بما خطه ” لاوزا ”  و ” كونفوشيوس ” . والحضارة الهندية إقترنت برسائل لأوبانيشاد .. والماهاباهاراتا .. والرامايانا . والحضارة الفارسية كان اقترانها بالشاهنامة .. ورباعيات الخيام ..وأشعار المتصوفة، إقترانا جليا . والحضارة الاغريقية كان لها ارتباط واضح بالالياذة والأوديسة .. وروائع المسرح  لأيسخيليوس .. ويوربيديس .. وأريستوفانيس  .. وغيرهم . والحضارة الاسلامية اقترنت بألف ليلة وليلة – بعد أن صقلتها مصر وأضافت اليها – وتائية ابن الفارض .. وقصة حى بن يقظان لابن طفيل .. ومقدمة ابن خلدون .. ورسالة الغفران لأبى العلاء المعرى .. كما يأتى القرآن الكريم على قمة الحضارة الاسلامية . كما اقترن عصر النهضة فى أوروبا بأسماء مثل .. فولتير .. وجان جاك روسو ..وشيكسبير .. وجوته .. ونيتشه .. ودانتى .. غيرهم من أعلام الفكر الغربى .

وقد نص مؤتمر لليونيسكو فى مكسيكو سيتى عام 1982 عن ” السياسة الثقافية ” .. على أن ” الثقافة تتخلل نسيج الحياة كله بحيث يمكننا الخلط بين الثقافة وبين الحياة ذاتها وعدم القدرة على الفصل بينهما ” .

ولكن بعض المهتمين بالتنمية كثيرا ما يعترضون على أخذ الثقافات التقليدية فى الاعتبار عند التخطيط والتنفيذ .. بزعم أن الثقافة محافظة بالضرورة بل ورجعية وأنها – أى الثقافه – تشد الإنسان الى الماضى .. بحكم علاقاتها بالتقاليد والقيم والأعراف المتوارثة .. وهم يرون أن أن هذه الطبيعة للثقافه تتعارض مع مفهوم التنمية بأبعادها التقدمية والمستقبلية، كما يرون أن المجتمعات النامية لكى تلحق بالعالم المتقدم .. فإنه يتعين عليها أن تتخلص أولا من كثيرمن عناصر الثقافة التقليدية بكل ماتحمله من أوهام وغيبيات تمنعهم من مسايرة الأوضاع المتغيرة فى العالم المعاصر، وأن هذه المجتمعات الناميه يتعين عليها أيضا أن تتقبل القيم والأوضاع وأنماط السلوك وأساليب التفكير العقلانى السائدة فى الغرب المتقدم .. حتى تستطيع أن تحقق التقدم الاقتصادى المنشود كيما تتحرر من نظم الحكم التقليدية الفاسدة .. وتتمكن من إقرار حقوق الإنسان.

لكن هناك رأى آخر .. يرى أن مشروعات التنمية التى قد تتعارض مع هذا التراث الحضارى والثقافى – والتى قد تتطلب التنكر لبعض عناصره – يجب الا نصراف عنها تماما .. حتى وإن كان ذلك على حساب المكاسب الاقتصادية والسياسية التى يمكن أن تحققها تلك المشروعات

ومن هؤلاء الدكتور هانى جابر .. الذى يقول فى كتاب له بعنوان ( مدخل الى دراسة الثقافة المادية) .. ” إن الثقافة المادية بكل أشكالها تخلصت من كثير من رواسب الظاهرة الشعبية التقليدية .. وأصبحت ذات صبغة عملية وحرية أكبر ، أى أصبحت لها أبعاد إنسانية تتحكم فيها قوة التجارة والفعل الجمالى العملى، وإغفال هذا البعد الجديد فى تطور المعنى من الظاهرة الشعبية كانتاج حرفى وإبداعى هو إغفال أن التشكيل الفنى كتيمة شعبية أصبح قوة اقتصادية منظمة .. لها إطارها التجارى .. وهذا التحول فى المعانى .. جعل المجتمعات التى كنا نتعارف عليها بالتقليدية تعيش فى المعاصرة بانتاجها المادى .. ودليلها التخصص .. وهدفها الحرفة .. وظيفتها اقتصادية تجارية ” .

ويوما بعد يوم تزداد شقة الخلاف بين كل من مؤيدى الرأيين .. ولكن هذا لا يعنى استحالة التوصل الى درجة معقولة من التوفيق بين الرأيين للوصول الى صيغة ما للتفاهم والتعاون مما يخفف من حدة الإنقسامات القائمة الآن على أرض الواقع والتى تعبرعن نفسها فى ذلك الصخب العالى الذى يصاحب المؤتمرات الدولية فى استنكار ورفض واضحين لمواقف وسياسات وتاريخ الدول الغربية وعلى رأسها أمريكا بطبيعة الحال.

[toggler title=”المراجع” ]

الملاحم كتاريخ وثقافة ..
د. أحمد أبو زيد: مجلة عالم الفكر .. المجلد السادس عشر .. العدد الأول ( أبريل* مايو* يونيو 1985 )
كتاب “ضرورة الفن” ..
أرنست فيشر.. ترجمة سعد حليم .. مكتبة الأسرة
دراسات فى علم الاجتماع والانثرو بولوجيا ..
د. عبد الهادى الجوهرى .. المكتب الجامعى الحديث
الأدب و الحضارة ..
د. نعمات أحمد فؤاد .. اصدار دار المعارف
الفولكلور ودليل العمل الميدانى ” مدخل الى دراسة الثقافة المادية “ ..
د. هانى ابراهيم جابر .. الولاء للطبع والتوزيع
الثقافة كبعد غائب عن التنمية ..
دراسة  للدكتور أحمد أبو زيد .. على موقع الانترنت http://www.balagh.com

[/toggler]

Comments

comments

3 Comments

Leave a Reply
  1. دراسة شاملة راقية ..فيها مجهود رائع ..وما أحوجنا إلى تفهمها والأخذ بما فيها سعيا لتنمية بلادنا على أىسس من الفهم الراقى والاستيعاب الحكيم تحياتى لكاتب المقال

    • مجهود رائع و جبار تحياتي الشديدة لكاتب المقال

    • اشكر الدكتور كمال على رأيه .. فهو شهادة من حقيقية من مثقف حقيق

اترك رد