Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

المدينة الفاضلة و كابوس الديستوبيا

Dystopia

بالطبع عرفنا أن حياة الإنسان و رحلة تطوره كانت مرحلية ” أي كانت تبعاً لمراحل ” ، تلك المراحل تحددت بفترات زمنية منها المعلوم و منها المجهول ، و اتفق العلماء علي أن الإنسان لا يقف علي حلم يتقيد به ، و لا تقف بصيرته علي نقطة متجاهلاً باقي النقاط ، و اتفقوا أيضاً أن الإنسان تتطور تطلعاته و رغباته بتطور الزمن ، فكانت العلاقة بين خيالات الإنسان و بين الزمن علاقة طردية ، فكلما مر الوقت تقدمت أحلامه و تزايدت أفكاره تعقيداً و تركيباً حتي وصل الإنسان بخياله إلي اليوتوبيا !!

Robert Owen's Painting - utopia - 1838و لكن ما هي اليوتوبيا ؟؟

كثيراً تكلم الفلاسفة و أهل المنطق عن المصطلح ” يوتوبيا ” ، و تمددت تعريفاتهم ، و طالت نظرياتهم حول مصطلح ” يوتوبيا ” حتي وصلوا إلي تعريف متفق عليه و هو أن ” اليوتوبيا ” هو مصطلح دائماً كان دالاً علي العديد من المعاني و المفاهيم المتعلقة بشروط القيمة المطلقة و بأحكام القيمة النسبية ، و يشار دوماً أن مصطلح “اليوتوبيا” يدل علي ما يجب أن يكون عليه المجتمع المثالي من فضائل و عادات و قيم و أخلاق ، و يذكر أن “يوتوبيا” مصطلح فلسفي ذكره الكاتب توماس مور في كتابه ” اليوطوبيا ” (Utopia ) عام 1515 ميلادياً ، و كان هذا التعريف تفصيلياً للمصطلح و معناه ..

616

لمـّح الفيلسوف أفلاطون قديماً عن المدينة الفاضلة “اليوتوبيا” في كتابه “جمهورية أفلاطون” ، و زاد في التلميح بوصفه لجمهوريته الخيالية ، و مدينته الإفتراضية التي لم يحكمها ملك بل حكمها الفلاسفة ، و أختص في روايته حكم الفلاسفة ظناً منه أنهم لحكمتهم و علمهم الواسع سوف يجعلون كل شيء في هذه المدينة محدداً و معيارياً ، و بناءً علي ذلك ستكون مثالية و فاضلة ، عبر أيضاً أفلاطون عن الحياة اليومية في هذه المدينة ، و وصف مستوي المعيشة بها حيث قال بأن تلك المدينة يجد فيها المواطن و المقيم و الزائر أرقي و أكمل الخدمات بأسلوب حضاري بعيداً عن التقليد و الروتين و التسويف و سوء المعاملة ، فقد اعتبر أفلاطون أن المجتمع الحقيقي هو المجتمع الذي يسعد الإنسان و يحقق له رغباته الصالحة ، فكان مجتمعه مثالياً خالياً من النقائض البشرية .

Early Utopian flying machines, France, 1890-1900إذن في المفهوم العام للمدينة الفاضلة أنها مقترح لمدينة مبتكرة جديدة و مختلفة عن كل مدننا ليس الاختلاف في المظهر العمراني فقط بل في كل شيء ، في المستوي الحضاري و السكاني و الثقافي ، فدائما تكون المدينة الفاضلة في التخيلات محتوية لكل الأجناس و الألوان و الثقافات و الأديان ، و دوما كانت فائقة في تنويع الأداء الخدمي الحكومي أو الخاص ، فالمدينة الفاضلة هي مدينة حرة أسسها الإنسان نفسه ، سواء كان مسؤولاً أو موظفاً أو عاملاً أو مراجعاً كبيراً كان أو صغيراً رجلاً أو امرأة ، مواطناً كان أو مقيماً أو زائراً ذلك المفهوم الذي وصي به أقلاطون في كتابه “جمهورية أفلاطون” ، و توماس مور في كتابه “اليوطوبيا” ، و الفارابي في كتابه “الدولة الفاضلة” و ” مدينة الرب ” لــ سانت أوغسطين ، و ” مدينة الشمس ” لــكامبانلا (1623) ، و ” اتلنتس الجديده ” لــفرانسيس بيكون (1627 ) .

و لكن لكل شيء عكسه ، فالأبيض عكسه الأسود ، و الحقيقة عكسها الخيال ، و كذلك “اليوتوبيا” عكسها “الديستوبيا” ..

ما هي “الديستوبيا” ؟؟

هو مصطلح فلسفي يتضاد مع “اليوتوبيا” (Dystopia ) في كل شيء إلا في عاطفة الخيال ، فـ”الدستوبيا” تعني المكان الخبيث الشرير الذي امتلأ فساداً و كآبة ، المدينة التي تضربها الفقر و القحط و الظلم و الظلام و كل آفات الدهر ، و قد ذكر ذلك المصطلح الكاتب جورج أورويل ..
فقد كان الفلاسفة يحكون عن كوابيس “الديستوبيا” ذلك العالم البغيض القمعي الذي تقمع حكوماته المواطنين و ترهبهم ، عبر عنها الفلاسفة بأن “الديستوبيا” هي مدينة الشر و الدمار ، المدينة التي تتكرر فيها الكوارث البيئية و كوارث سكانية و سياسية ، كتبوا عنها أنها أرض الفقر المدقع ، و التلوث ، و الانهيار الاجتماعي ، القمع السياسي أو الشمولية ، تلك فيروسات تمرض المجتمع و تضعف مناعته ثم تقتله .
كتب الكثير من الروايات في هذا الاتجاه مثل “فهرنهايت 451” حيث كانت حكومة الديستوبيا تحرق الكتب خوفاً من ما قد تحرض عليه ، و رواية “ألعاب الجوع” التي كانت تحكي عن الحكومات الظالمة التي تهدد شعوبها بالفقر ، و تستخدم الفقر كوسيلة لتهديد الشعب حتي لا ينشغلوا بالسياسة و السلطة ، و قد تكون تلك الروايات اقرب للواقع بالنسبة لبعض الدول الآن و لكن البعض لا يلاحظ !!

المصادر 1  2  3  4 5 6 7

Comments

comments

21 Comments

Leave a Reply
  1. أول مرة أكتب تعليق في عالم الإبداع
    مع أني أتابع تدويناتكم منذ سنتين إلا أن هذا
    الموضوع ذكر كلمة أحبها كثيرة اليوتوبيا شكرا
    غالي على التدوينة الرائعة أتمنى أن أرى المزيد من
    هذه التدوينات . . . شكرا لكم عالم الإبداع

  2. بعيدا عن كتابات الفلاسفه ومصطلحاتهم وبعيدا عن التصورات والخيالات ارى ان اليوتوبيا قد تتحقق فعلا في الواقع وارى ان هناك مرجع كامل في كيفية تطبيقها الا وهو الاسلام فكلما قرأت في هذا الدين ارى من الفضائل ما لم يصل اليه فيلسوف وارى من الدقه والشموليه في كل شء ما يكفل حياه فاضله للانسان والحيوان وحتى الجماد. لذا دعني اخبرك بتصوري اخي احمد في هذا الامر اعتقد ان الانسان وان اراد مثل هذه المدينه او المجتمع فأنه لن يسعى اليه لان بالنسبه للغالبيه فأن الدستوبيا اسهل بكثير من اليوتوبيا وان نظرت لتاريخ البشر رأيت عجباً وستدرك حقاً اننا نتجه نحو الديستوبيا اكثر فأكثر لذا فأن كان لي امل واحد فهو ان يرزقني الله الجنه ففيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

    اعتذر ان استشعرت في كلماتي نوعا من اليأس واشكرك على كلماتك الرائعه ووصفك الدقيق وارجو لك النجاح والتقدم .. في امان الله :)

    • أخي طارق , أولاً شكراً لك
      ثانياً كلامك الرائع الذي يوحي بأنك قارئ جيد و إستنباطك للموضوع رائع , كما قلت أنه إذا كانت اليوتوبيا منطقية تطبيقها موجودة علي ذلك الكوكب الحيّ قد يكون الإسلام هو مطبقها بتعليماته الإجتماعية و إرشاداته الأخلاقية , و لكن كل الأديان قد تخلق اليوتوبيا الخاص بها كما فعل سانت أوغسطين عندما كتب عن المدينة الثيوقراطية و وصفها بــ”مدينة الرب” , فلكل دين يوتوبيا خاصة .. و لكن الإسلام يتميز بإتساع مساحة الديموقراطية فيه و سياسات التسامح بين معتنقيه خلافاً بما يحدث الآن لأننا بعدنا عن الإسلام ديناً و منهجاً و سلوكاً .
      ثالثاً صحيح أن الديستوبيا قد تكون من وجهة نظرك أسهل ان تطبق , و لكن لكل شيء مبتدأ و منتهي , فمبتدأ الديستوبيا يبدأ بإنتهاء اليوتوبيا و كل ذلك ناتج عن عدم وعي سياسي الذي ينشأ حكومات ديكتاتورية تقدر تفكير الإنسان و تحجم أفكاره .

      رابعا أري أنك تضع صورة قناع فانديتا المشهور فللعلم أن فيلم ( V for Vandetta)
      يتحدث عن الديستوبيا بالمملكة البريطانية و فساد الحكومة و فساد رجال البرلمان في إدارة البلاد مما جعل فانديتا يسخدم الأسلوب الثوري الإنتقامي و يفجر مبني البرلمان بمن فيه حتي الملكة و كل المسئولين و بذلك تنتهي دولة الديستوبيا .. 😀 😀

اترك رد