Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

قصة أول جريمة على الأرض: كيف شكل الافتراس عالمنا؟

على سطح المياه تطفو بسلام بعض الطحالب الخضراء تحضر عشاءها من السكريات بهدوء على ضوء أشعة الشمس لكنها للأسف لن تسمتع به.

أحد العوالق البحرية قد جذبته الرائحة، فور أن يأكل فطوره ترمي به أمواج البحر بعيدا ليجد نفسه في فم قريدس صغير، الذي يغطس سريعا إلى الأعماق هروبا من التيارات الحادة على السطح ..

بينما يصل إلى مكان هادئ بين الشعاب المرجانية تنطلق مخالب حادة للسلطعون وتقوم بالتقاطه،

يتحرك السلطعون متوجها إلى الشاطئ باحثا عن أنثى للتزاوج لكن فقمة صغيرة ضاعت عن سربها كانت جائعة لغاية، تلتهم السلطعون وتهبط إلى المياه باحثة عن رفاقها. صرير حاد يدب في الأعماق،

إنه المفترس الأضخم مجموعة من حيتان الأوركا القوية، يلتهم أحدهم الفقمة الصغيرة وينطلق، لكنه لا يستطيع الإبحار بعيدا، هناك مفترس أشرس،

لقد أصابته رماح أحد الصيادين من فوق المركب. يبذل الصيادون مجهودا كبيرا لرفعه على المركب، يهللون لصيدهم الثمين وينطلقون باتجاه الميناء لكن أحدهم لن يصل، لقد مزق أحد المفترسات الصغيرة رئته من الداخل، لقد كان مصابا ببكتيريا السل!

لماذا تبدو الحياة بذاك القدر من الوحشية؟ لماذا يحتل الافتراس هذا المركز القوي في عالم الأحياء؟ لماذا لم تكن الحياة عبارة عن مجموعة من الكائنات المنتجة لغذائها من الطاقة الشمسية أو الكيميائية مثلا؟

قادتني تلك الأسئلة للبحث عن منشأ الافتراس (يشمل التطفل) والنتائج التي ترتبت على بزوغه، و يبدو أن الغموض يغطي تلك البقعة من عالم الأحياء، نحن لا نملك أي دليل قاطع عن زمن منشأ الافتراس، لكني سأحاول الوصول إلى أقرب نقطة لأول حادثة افتراس على كوكبنا، ومن ثم ننتقل لفهم كيف شكل الافتراس عالمنا.

21908 copy

يمكننا اختصار الطريق بإبعاد كل المفترسات الضخمة، لقد نشأ الافتراس على المقياس المجهري في البداية، عثر العلماء قبل 10 عقود على الأقل على أحفورة لأميبا لها درع خارجي (وهو استجابة لوجود المفترسين) وتم تأريخها ل 740 مليون عام أي قبل ظهور أي حيوانات ضخمة، إنها أقدم ما نملك لكنها ليست الأقدم.

يمكننا فقط بدراسة أكثر الكائنات بدايئة على كوكبنا (البكتيريا) أن نلحظ السلوك الافتراسي، ونحن نعلم أن بدائيات النواة هي أول الكائنات التي نشأت أي قبل 3.5 بليون عام.. لقد نشأ الافتراس في فترة مقاربة.

قد يكون المفترس الأول قديم قدم الحياة على الأرض، لكنه من بالتأكيد لم يكن الأول، فأول كائن لن يجد من يفترسه، كان أول كائن على الأغلب منتج يصنع غذائه من الطاقة الكيميائية في الينابيع الحارة أو أنه كان غير منتج، لكن وببساطة كان يمتص المركبات العضوية التي خلفتها الأرض الشابة خلال فترة تقلباتها وثورانها، كما أن المفترس الأول على الأغلب قد استغرق بعض الوقت لتطوير سلاحه الذي سيصيب به فريسته، والآن لنبدأ في التحقيق في طبيعة مجتمع ما قبل الجريمة.

ساعات قبل الجريمة

 “مجتمع ما قبل الافتراس” سيبدو مختلفا تماما عما نعرفه عن الحياة الآن، مجتمع هادئ من الكائنات البسيطة تجمع بينهم علاقات تنافسية ضعيفة للغاية نظرا لتوافر الغذاء.. لا تحتاج للحركة إلا للوصول لمواقع توافر الضوء أو المواد العضوية، إن وجد هذا المجتمع بالفعل يوما فقد كان جنة يوتوبيا حقيقية من الكائنات المنتجة لغذائها وأخرى مسالمة تستعين بالمواد العضوية غير الحية، لكن كل ذلك كان على وشك أن يتبدل بوصول متهمنا الذي نبحث عنه إلى الساحة.

ساعة الصفر

إنها أحد أعظم اللحظات في تاريخ الحياة، التي قام بها الجد الأول للافتراس بالجريمة الأولى، مطلقا شرارة حرب ستسمر لبلايين السنين، إن الكائنات التي لا تستطيع مقاومة ذلك المجرم سينتهي بها الأمر إلى الانقراض، لقد أطلق ذلك الجد حرب من التسلح بين مختلف الكائنات، سموم الأفاعي ومخالب الصقور، أنياب الضباع الحادة وفكوك الأسماك الضخمة وصولا إلى البنادق والدبابات ما هي إلا تحورات لذلك السلوك الذي قام به ذلك الجد.

كان علىه أيضا تطوير أسلحة دفاعية ما بين جدران خلايا البكتيريا إلى درع السلحفاة العظمي، الأشواك والإفرازات الكريهة والسامة، أيضا محاكاة هيئة المفترسيين كما يفعل الأخطبوط الأندونيسي أو لون المحيط كما تفعل الحرباء.

إن أي تطوير في أسلوب هجومي للمفترس سيدفع الفريسة لتطوير أسلوب دفاعي للنجاة، أو يغير المفترس من غذائه ليتأقلم على مجموع أكبر من الفرائس ليتقدم بأفضلية على منافسيه.

إن الافتراس لن يدفع فقط بتطوير الأسلحة والدفاعات، فأي طفرة تزيد من قدرة المفترس كحاسة السمع القوية للبوم الثلجي أو الأرجل الطويلة السريع للنعام سيتم تمريرها  بينما يقع أصحاب الصفات الأضعف ضحية الانقراض.

سلاح و أدلة الجريمة

إن سلاح المفترس الأول على الأغلب مازال محفوظا في أسلافه، وهو الضربات الكيميائية والإنزيمات المحللة. هناك وسيلة أخرى لكنها لاتوجد في عالم البكتيريا اليوم، إنها البلعمة (تبتلع أحد الخلايا خلية أصغر ثم تقوم بهضمها) لكن ربما قد تطورت وانقرضت، الكثير من حقيقيات النواة يمتلك تلك الخاصية الأميبا والكثير من الأوليات، بل حتى جهازنا المناعي يحتوي خلايا بلعمية تلتهم الأعداء، إن السلاح الثاني كان لابد أن ينشأ قبل حقيقيات النواة لأنه هو الذي أدى إلى نشأتها .

الافتراس و نشأة حقيقيات النواة (origin of Eukaryotes)

cover_pittis_b_horit

في عام 1966 كان عالم الميكروبيولوجي ” كوانغ جيون” يقوم بدراسة أحد الأوليات البسيطة وهي الأميبا (Amoeba proteus ) عندما قامت بكتيريا اسماها كوانغ ((x-bacteria بمهاجمة الأميبا بوباء ساحق ، قضت أغلب الأميبا لتكشف إلينا القلة الناجية سرا جديدا من أسرار الحياة.لقد وجد كوانغ وفريقه أنه حتى الأميبا الناجية وأحفادها تحمل الكثير من البكتيريا داخلها، هي لم تستطع القضاء عليها لكن شيئا ما حدث جعل تلك البكتيريا غير مضرة للأميبا، بل عندما قام كوانغ بمعالجتها بمضادات حيوية لقتل البكتيريا داخل الأميبا فإن الأميبا أيضا ماتت!اكتشف كوانغ فيما بعد أن الأميبا أصبحت تعتمد على أحد المنتجات البروتينية من البكتيريا، لقد عقدت الأميبا صفقة لتتحول العلاقة من هجوم-دفاع إلى تعاون

يعتقد العلماء أن اتفاقية مشابهة بين نوعين من بدائيات النواة كانت السبب لنشأة الخلايا حقيقة النواة، كانت تجربة كوانغ أحد الأدلة القوية على النظرية التي طورتها، عالمة البيولوجي الأمريكية وزوجة كارل ساجان الأولى، لين مارغوليس وهي endosymbiotic theory” ” .تحمل خلايانا و خلايا النباتات و الفطريات و كذلك الأوليات عضي صغير يسمى ” ميتوكوندريا” هذا العضي هو المسؤول عن إنتاج الطاقة لأجسامنا، بحسب النظرية فهذا العضي قد نشأ عن عملية افتراس تحولت إلى تعاون تشبه تجربة أميبا كوانغ، تتمتع النظرية الآن بقبول واسع بين علماء البيولوجي بعد تراكم الكثير من الأدلة ، تحمل الميتوكوندريا دنا دائري يشبه دنا البكتيريا ، تنقسم بالانشطار الثنائي كالبكتيريا ، مثال آخر هو العضي المسؤول عن البناء الضوئي في النباتات (chloroplast) و هو يحمل أيضا دناه الخاص و الذي يشبه إلى حد كبير دنا البكتيريا الخضراء المزرقة أو (cyanobacterium) .

endosymbiosis-hp-20

لا نعرف بالضبط متى نشات حقيقيات النواة لكننا نعرف أنه كان حدثا غير شكل الحياة على الأرض صنع ملايين من الأنواع معقدة التركيب و الشكل ، و أفسح الطريق لنشأة أجيال جديدة من المفترسات الأضخم و الأكثر تعقيدا .

الافتراس و زيادة الحجم

 يشكل زيادة الحجم لمفترس كالأميبا ميزة فعالة، حيث أنها ستتفوق على منافسيها لتمتع بقدرة أكبر على ابتلاع فرائسها، الأمر ينطبق أيضا على الفريسة كلما ازداد حجمها فإن ابتلاعها وهضمها يصبح أكثر صعوبة. قد يشكل إذا زيادة الحجم سباق يدفع وحيدات الخلايا لتزيد أحجامها إلى المالانهاية، لكن ذلك صحيح فهي مقيدة بنسبة تحدد قدرتها على امتصاص المواد ويحدد كمية فقدان الطاقة وهي نسبة مساحة السطح : الحجم، زيادة الحجم المطردة تخل بتلك النسبة لذا كان على تلك الأحياء الصغيرة إيجاد حل أفضل وهو الانتقال لعديدات الخلايا.

kingdom-amoeba-belong_9604dcf60b03191b

وإلى عديدات الخلايا

 رغم أن الضغوط التي دفعت إلى ظهور عديدات الخلايا قد تكون معقدة إلا أنه يمكن النظر كظاهرة عامة على أنها نتاج لسباق زيادة الحجم الذي خلقه الافتراس.

يمكننا فهم طبيعة عديدات الخلايا باعتبارها مستعمرة من أحاديات الخلايا تتوزع بها الوظائف وتتميز من خلية لأخرى، إن أجسادنا (ونحن بالطبع نحن من عديدات الخلايا) هي مستعمرة لكنها مستعمرة ضخمة للغاية تتكون من تريليونات الخلايا تجمع بينها صلات ووظائف معقدة .

بالنظر لمستعمرات أكثر بساطة كمستعمرة طحالب (volvox sp ) الخضراء تزيد الصورة وضوحا، تتكون المستعمرة من ما يقارب 50 ألف خلية فقط بعضها يعمل كمواتير يحرك أسواطه الصغيرة بالاتجاه الذي تمليه عليه الخلايا الحساسة للضوء حيث يستمد طاقته، إن توزيع المهام بين أفراد المستعمرة (أو التميز) كان تقدما مذهلا للحياة.. وهناك خلايا أخرى في المستعمر تقوم بوظيفة مختلفة لكنها الأروع، إنها خلايا ال (volvox) الجنسية.

Mikrofoto.de-volvox-4

الافتراس ونشأة الجنس

يمكننا ملاحظة كيف مهد الافتراس بطريقة غير مباشرة لنشأة الخلايا الجنسية في حقيقيات النواة، إلا أن بعض علماء التطور يظنون أنه كان نتيجة مباشرة للافتراس كنشأة حقيقيات النواة.لقد وفر الجنس منذ ظهوره وسيلة رائعة لتبادل الأسلحة الفتاكة بين المفترسات و كذلك الوسائل الدفاعية، حتى على أصغر المقاييس تقوم البكتيريا مثلا بتبادل شرائط دائرية من المادة الوراثية قد تحتوي على جينات مقاومة للمضادات الحيوية في عملية تعرف بالاقتران (conjugation) خالقة بعملية نقل المعلومات تلك (وهو ما لا يمكن وصفه إلا بأحد أشكال الجنس) سلالات أكثر تمردا على علاجتنا.

الافتراس دافع للتعاون (التكافل)

قد يبدو ذلك غير منطقيا للوهلة الأولى، لكنه لا يحتاج الكثير لإثباته، خلال نشوب حرب مفاجئة تنزع الدول المتحاربة وخاصة الأضعف لتشكيل تحالفات، تلك التحالفات ترفع احتمالية انتصارها وتقلل من خسائرها. تنتشر تلك العلاقات التعاونية في الكثير من أشكال الحياة، بعضها بسيط كمستعمرات البكتيريا من مثل (Myxobacteria) التي تصنع تكتلات تمنحها أفضلية حيث تزيد من كمية الأنزيمات الهاضمة والمضادات الحيوية التي تهاجم بها فرائسها، وبعضها معقد كالنداءات الكيميائية التي يطلقها نبات الذرة عندما يتعرض للهجوم من اليرقات تنجذب بعض الدبابير لتلك النداءات وتقوم بالقضاء على اليرقات ليربح الطرفان.

إن التعاون هو آلية جيدة لصد المفترسين أو الدفاع (كقطعان الحمار الوحشي مثلا تتحرك سويا لتشتييت المفترس) و كذلك كآلية هجوم (كجماعات الأسود التي تلاحق ذلك القطيع). إن أي تغيير يحسن من طبيعة السلوك التعاوني لجماعة من مفترسيين سيمنحهم أفضلية عن باقي المفترسيين، كما أنه سينتقي مجموعة الفرائس الأكثر تعاونا لتستمر .. فالجماعات المفككة سيسهل على المفترسيين البارعيين اصطيادها، لتستمر الدائرة تنتقي الاستراتيجيات الهجومية لأمهر المفترسيين، وكذلك الدفاعية لأكثر الفرائس خداعا.لا بد إن الافتراس له دور مؤثر في نشوء المجتمعات الحيوانية المعقدة، كالمجتمعات البشرية التي تتمتع بمهارات تعاون وتواصل عليا بين الأفراد منحتها التفوق على كل المنافسيين.

الآن يمكننا استنتاج الدور المؤثر الذي قام به الافتراس في تشكيل عالمنا.. دفع عجلة التطور وإعادة تشكيل العلاقات بين الأحياء.. زاد من حدة التنافس وأكد على ضرورة التكافل.. أدى إلى نشاة حقيقيات النواة ودفع إلى ظهور كائنات أكثر تعقيدا.. إضافة إلى دوره الخفي في نشأة الجنس.

قد يكون من المحزن أن تعلم أن عالمنا كما نعرفه لم يكن لولا الافتراس، لكن علينا أن نعلم أننا لم تتح لنا الفرصة لنسود و نتحرر ونبني مجتمعاتنا لولا أننا كنا أمهر المفترسين، وأن في خلايانا تذكرة دائمة أننا نتاج عملية افتراس- تعايش.

مصادر

1 2 3 4 5 6 7 8

Notice

Comments

comments

اترك رد