Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

كيف كانت الفواكه والخضروات قديمًا قبل تدجينها؟

للتدجين معنى مغلوط، لدى معظمنا على الأقل. فبشكل ما ارتبطت لفظة التدجين بالدجاج دون غيره حتى أنه فاز باسمه “الدجاج” من المصدر نفسه “التدجين” على الرغم من أن أصل “دجن” له معان أخرى كثيرة في لغتنا العربية. وربما رجع هذا لأنه الحيوان الأسهل في استئناسه وجعله أليفًا مختلفًا عن نظيره البري الذي اعتاد الحياة في الأدغال قديمًا.

هكذا، يبدو استخدام لفظة “تدجين” مخاطرة كبيرة كعنوان قد يساء فهمه، لكن ما باليد حيلة هنا. سنكسر قاعدة “خطأ شائع خير من صواب مهجور” وإني لسعيد بهذا!

يمكن تعريف التدجين على أنه عملية إعادة عملية التشكيل الوراثي للكائنات الحية بما يمكّن الإنسان وبشكل كبير جدًا من تسخيرها لخدمته والاستفادة منها بشكل أو بآخر، بالإضافة إلى خدمتها للبيئة التي تعيش فيها. هكذا نجد أنه علميًا وتاريخيًا، شملت عملية التدجين حيوانات أخرى كثيرة يعتبر الدجاج في ذيل قائمتها التي تشمل بالطبع الماشية بأنواعها وكذلك بعض الحشرات كالنحل والطيور بطبيعة الحال. لكن المملكة الأكثر غموضًا وتأثرًا بممارسات التدجين على مر التاريخ لم تقع ضمن أي مما سبق، بل كانت وتظل أبعد من أن ترتبط بلفظة التدجين … مملكة النبات!

لماذا هي الأكثر غموضًا وتأثرًا على الرغم من بساطة التكوين في مملكة النبات مقارنة بمملكة الحيوان؟ فلنشاهد معًا، بداية بالموز التقليدي وانتهاءً بالذرة الحلوة، سنستعرض سويًا بعض ثمرات النبات التي احتفظت بمظهر وشكل مختلفين تمامًا عما هي الآن قبل أن يشرع الإنسان في استئناسها وتنميتها لصالحه. 

painting-1

قد تكون قد شاهدت هذا المنظر من قبل على الطبيعة، لكنه سيقترن على الأرجح بتقريع لأحدهم باعتبار أن الثمرة غير ناضجة لا تصلح للأكل. لكن ما لو علمت أنه هكذا كان شكل البطيخ قديمًا؟

اللوحة بالأعلى للفنان الإيطالي Giovanni Stanchi ورسمها بين عامي 1645 – 1672، أي أننا نتحدث عن القرن السابع عشر هنا. هل تتخيل كيف كان طعم هذا الشيء مقارنة بحفيده التالي؟

watermelon

الطريف هنا أن البطيخ الذي تحمله الرسمه الأولى يعد لطيفًا ولذيذًا إذا ما قارناه بأصوله الأولى منذ آلاف السنين، حيث كان صغيرًا بحجم ثمرة عين الجمل ولا يمكن فتحه إلا بالكسر بحجر أو ما شابه!

_____________________________________

أجل، كما خمنت: هذا موز! تقول أن شكله أقرب للبامية؟ همممم… لا ألومك في الواقع!

Banana1

تاريخيًا، تم استزراع الموز للمرة الأولى منذ ما يقرب من 7000 عام في المنطقة التي تعرف حاليًا ببابوا غينيا الجديدة. فصيلتا الموز البريتين في ذلك الوقت Musa acuminata و Musa balbisiana اتصفتا بالصغر ووجود بذور كبيرة قاسية بداخلهما كما في الصورة بالأعلى. لكن الدمج بين الفصيليتين وتهجينهما معًا أنتج لنا الموز الطويل طري البذور الذي نستمتع بطعمه الآن.

Banana2

_____________________________________

الثمرة التالية قد تظهر مخيبة للآمال. يبدو أن ثمار اليوسفي أو الطماطم لم تكن مختلفة عما هي اليوم؛ إلا أن الصورة بالأسفل لم تكن ليوسفي أو طماطم. إنه الباذنجان! أجل كما قرأت!

wildeggplant_54_990x660_201404232344

طيلة تاريخ زراعته، تعرف على الإنسان على الباذنجان بأحجام وأشكال وألوان متنوعة، مثل الأبيض، الأزرق السماوي، القرمزي، والأصفر؛ تمامًا كما ترون في الصورة بالأعلى. بعض الفصائل البدائية للباذنجان كانت تتصف بأشواك طويلة قاسية موضع السويقة الخضراء التي تتصل بزهور النبتة؛ وهو ما يمكنكم ملاحظة آثاره إلى الآن في ثمرات الباذنجان الحديثة. فقط الآن الثمرة أطول وأكبر بلا أشواك طويلة قاسية أو مؤذية.

Eggplant2

_____________________________________

للوهلة الأولى اعتقدت أنها جذور الجينسنج الثمينة أو حتى الزنجبيل، لكن الصورة التالية للجزر البري!

Carrot1

بدأت زراعة الجزر في القرن العاشر الميلادي في بلاد فارس وآسيا الصغرى، ويعتقد أن لونه الأصلي كان إما الأبيض أو القرمزي بجذور رفيعة ومعقوفة كما ترون بالأعلى، لكن بمرور الوقت فقد الجزر البري صبغته الأصلية وصار أصفر اللون. ومع التدجين المتعمد، تحولت تلك الجذور الرفيعة البيضاء قوية الطعم والرائحة إلى الجزر البرتقالي الضخم والشهي الذي نحصده كل شتاء.

Carrot2

_____________________________________

ولربما كان المثال الأكثر وضوحًا على التدجين والزراعة الانتقائية هو الذرة الحلوة الأمريكية، والتي تطورت من تلك الثمرة النحيلة التي لا يمكن أكلها تقريبًا بالأسفل.

corn-and-teosinte

منذ 7000 عام تقريبًا، كانت البدايات الأولى لاستزراع الذرة، وقد كانت جافة قاسية كالبطاطس وصغيرة الحجم مقارنة بمثيلتها المعاصرة الأكبر بألف مرة والأسهل في التقشير والألذ لاحتوائها على 6.6٪ من محتواها كسكر مقارنة بالذرة البرية التي لم يمثل السكر إلا 1.9٪ فقط من تكوينها.

Corn3

_____________________________________

والصورة التالية ليست لثمرة كرز صغيرة شهية، بل لثمرة خوخ بري!

Peach1 a

ترجع محاولات تدجين الخوخ الأولى إلى عام 4000 قبل الميلاد في الصين القديمة، وكان مذاقها “ترابيًا” وملحيًا إلى حد ما كما هو مذاق العدس حاليًا! شكرًا، لا مزيد من الخوخ حتى الانتهاء من كتابة هذا المقال.

لكن عقب آلاف السنين من الاستزراع الانتقائي للسلالات، فالخوخ الحديث أكبر بـ 64 مرة، يحوي عصارة أكثر بـ 26٪، وأحلى بأربع مرات من سلفه القديم.

Peach2 a

_____________________________________

هل وصلتكم تلك النقطة؟ عندما استدجن الإنسان البقر منذ أربعة آلاف عام، لم يكن بست أرجل وصار بأربع فقط كما هو الآن! لم تكن الخراف زرقاء الصوف واستحالت بيضاء بعد استئناسها. صحيح أن هناك اختلافات تطورية حدثت “طبيعيًا” لتغير بيئة الرعي والحياة أو “صناعيًا” لإزالة صفة غير محببة بعينها، لكن الأمر لن يعدو اختلاف في طول قرون رأس هذا الكبش هنا، أو تغير لون الخطوط العرضية على ظهر تلك النحلة هناك. وكما رأينا لم يكن الأمر بهذا التسامح مع النباتات التي استعرضناها بالأعلى.

فقط تذكروا في المرة القادمة التي تلتهمون فيها “شقة” بطيخ مثلجة أو “كوز” ذرة ملتهب أن شكلها وطعمها لم يكن كذلك قديمًا… لحسن حظنا !/؟

 

مراجع: 12

Comments

comments

Written by محمد فكري طلعت

كاتب، مترجِم، وخبير معتمد ACE من شركة أدوبي سيستمز للرسوميات والتحريك.
أحب القراءة، سماع الموسيقى، النحت والنمذجة الرقمية، وأمقت أكشن سكريبت 3.

Follow

67 posts

اترك رد