Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

خواطر نزيل في الغولاغ

كان يكفِي أن تكون في سنن المحن الصعبة غير حذر بقولك لأن تصبح طرفة عين نزيلاً في الغولاغ !!!

إذ أنت مُطالب في المُعتقلات الستالينية للعمل القسري بالتضحية , مُطالب بأن تكون وسيلة تحقق تقدم اقتصادِي صناعِي واسع النطاق ,لا يقف عند حد الإبادة الجماعية للكولاك ,للمثقفين , للنساء البائسات والأطفال التعساء , مُطالب بدفع ثمن خيانتك المُختلقة للسوفيت ! مُطالب بإنهاء الكساد فلا تكتُب ولا تُفكر ولا تتكلم ولا تشجب فأنت مُختلف وليس بوسعك غير أن تأكل الخبر , تلك الحصة التي تعادل نصابك اليومِي خارج الأسر و تشرب حساء الحثالة تلك الماء الساخن وبقايا موائد الطُغاة المسلوقة !

مُنذ عقد وَ نيّف لم أكتبُ الرسائل , لم يُؤتِيني صرير القلم و لا خشخشة الورق أي رغبة جامحة عدا ما يبعثهُ بيّ لجبُ القيروان من نشاطِ في ذاكرة حُبلي مافتئت عنوة تجعل مخاضها المُؤجل في سُبات ..فإذا ما أبدى الشر عن نواجذه قضت الذاكرة نحبها وهي تكاد أن تكتفي بحياة المعتقلات التي تشد أعناقنا كُل يوم عن أن تبعث برؤوسنا حنين لاعج يهتك ستراً قد بذلته النفس , ويندب حظاً قد طوح به سُبل العناء فلا هُو بشافي ولا مُدركاً غير ما تضيق عنه بطون الرحمة !

فماذا عن فكرة تحُول إلى رغبة لا تُقاوم ؟!

prison2

” اللقاء ” الفكرة ذاتها التي تخدع الوعِي كُل صباح وأنت في مُعتقل شُيد في مناف الأمكنة النائية مُحاط بالأسلاك الشائكة لئلا يُراودك الهرب عن نفسه حتى يدب القنوط فيك دبيب النمل في مسكنه, فتلبث مابين حرصك على الحياة واليأس مُعلقاً , يحنق عليك يومك إذ تبدأ العمل في بكرته حتى مُنتصف ليله حيث تلقفك ريح صرصر عاصفة مابينالموجه والأخرى من على كثيف الثلج إلى أن يزهد بكَ الصقيع وقد قمرت عينيك , و انضيت ثوبك , وأدركك البقاءو حتى إذا نزح الوهن عاودت العمل بين الشهيق وآخيه. إذ نحن المُعتقلين قوى العمل لدى الدولة الذي لا نتقاضى عليه أي مبلغ مادي ,نحن أحد عناصر النظام الاقتصادي الشيوعي لأكبر هيئة اقتصادية للسوفيت آنذاك “وزارة الداخلية ” نجالد التعب ونكفر بالجوع في مجرى الشقاء و كلما هممنا بالسقُوط ورأينا الهلاك مُدبر طوتهُ رغبة الحياة ..

تلكم هي مُعسكرات الغولاغ الهيئات المُنشئة لأعظم المُدن الروسية , لك أن تتوقع العمل أيما كان , في المناجم في الغابات والاحتطاب ينحطُ عليكَ الشجّر فيُصلح حالك الشقية على حين غرة, وبعضُ مما استل جسده إلى المنشئات النووية بحضرة الإشعاعات القاتلة حيث لم يكن للنفس البشرية معنى !.. وحيثما ألقي بك تجد اشد صُنوف العذاب دونه خرط القتاد . و دون أن تُبدي أي امتعاض , يدنُو منك النصب فيجزع وتذهب بهِ يد أجلك المؤجل متندراً من هتك حقك .

innside_1لقد اتفقنا رُغم عنا على الجُزء المتبقي من الحياة هي نصيب لستالين من الإرث البشري , يأخذها كهبة عند تقديم أي اعتراض حركِِي ,لا غرو بأن تصرفاً كهذا لا يلقَى لدينا الرضا بإستثناء القبول الجبري , ولو أن صبري كان الوسيلة لتحقيق غاية الصمود العُظمى لما بلغ مبلغ صبر غلة الصوادي أمام ماء زُعاق,

مما لم يكُ مدعاة للدهشة أن صدور المعتقلين الرحيبة لم تتأثر جراء العنف والإذلال والجُوع والقسوة , فلو أن نفس تعيش بمعية اضطراب الشعور تقض الصلة بينها و الوقع المضني , لجُعلت بحالة انفصام تام يؤاخي ما نشدتُهٌ لعيشها ولسمت نحو ألباب الرواجح و لذللت الصعاببطريقة ما تجعل المنغصات نائية متوغلة في النأي ..

فلم تنفك تلك حالي أروضها كما تُروض الدابة مخافة النفوق , حتى اذا ضمر العقل واصطلح الخاطر, وجدت نُبؤات الرضوان التام قد ائتلف فعمدت على إغواء سلطان السعادة , فلا أنا بقلق إزاء أمر ولا مُنتظر زائر ولا متوقع قُدوم عابر, أومن يستشعر الحرية من ناشئاً بها غير مُدركاً لما دون ذلك !

فما قد تلقى خارج أحضان ستالين غير حياة المبكى , أنت تعيش الآن بلا خوف بلا قلق على حياة قد رتبت عليها مصالحك وأبناءك لا شيء في الحُسبان واقع في سُبل الخسارة بعد الآن .. جُل ما في الأمر أذ ما بقيت على قيد الحياة في نظام استبدادي أن تنتظر الموت يُشمر عن ساعديه , يعيد لك حقك المُنتهك , يجتثك من أيدي الدكتاتوريين إلى حيث حُسن مآب !

–  سيبيريا 1943

Comments

comments

Written by Enas

مختصة في علوم التغذية , مهتمة بالكتابة , و التصوير الفوتوغرافي .

1 posts

28 Comments

Leave a Reply
  1. اسلوب في الكتابة جميل ومشوق
    للأسف بعض ماكتبه هذا النزيل أراه في موطني الان.

  2. كتابة جميلة … ولكنها أقرب ماتكون لعالم الخواطر من عالم الابداعات

    بالتوفيق يارب

    • هي طريقة مختلفة لقولبة الحقائق بنص أدبي , شكراً لك أيها الصديق : )

  3. سجون الغولاغ من اسوأ السجون التي عرفها التاريخ واكثرها دموية وبشاعة قتل فيها الملايين لاجل طاغية مريض سخر الملايين لاجل مشاريعه التي عملها ليس لخدمة الشعب انما لتمجيده وتأليهه.
    واغلب مشاريع ستالين العملاقة يغلب عليها الطابع الوقتي وفاشلة استراتيجيا فمثلا مشروع قناة موسكو الذي قتل فيه اكثر من 5000 سجين بحسب قناة روسيا اليوم لقد فشل المشروع استراتيجيا بسبب انخفاض عمق المياه.
    نقارن ذلك بالمشاريع الامريكية العملاقة التي نفذت في تلك الفترة بحرفية وانسانية وبحسب الدراسات كتب لها الديمومة والاستمرار مثل سد هوفر وقناة بنما وجسر البوابة الذهبية وغيرها.

    • بالفعل هو كذلك , لكن المؤسف أن التنكيل بالإنسانية و الأعمال الإجبارية الشاقة في ثلاثينيات القرن المنصرم أتت أكلها في بعض المشاريع السوفييتية التي مازالت حتى يومنا هذا .
      شكراً لك أيها الكريم على إثراء الموضوع .

      • شكرا جزيلا على الرد
        صحيح انه تحققت بعض الانجازات العملاقة على جماجم الملايين في مجال الصناعات الثقيلة ولكن ذلك كان على حساب الصناعات الاستهلاكية والغذائية فقد حدثت مجاعة هائلة في الثلاثينات قضت على الملايين بسبب مصادرة الدولة لجميع الحبوب من الفلاحين وتصديرها للخارج لتوفير سيولة مالية واعدام الملايين لحوزتهم على حبيبات قليلة !! .
        وكان الاتحاد السوفياتي متخلف في هذه الصناعات حتى ان الشعب كان يقف طوابير طويلة لاجل اشياء تافهة كالقلم وغيره.
        ومن المؤكد انك شاهدت سلسلة ابكاليبس ورايت حجم التخلف الهائل في البنى التحتية وانعدام الطرقات حتى اضطر الجيش النازي لاستخدام بعض الوسائل التي تمكن الدبابات والمدفعيات من التحرك.
        ومن المثير للدهشة رغم الجرائم البشعة التي طالت الملايين حتى قدر القتلى باكثر من 40 مليون فمنذ انهيار الاتحاد السوفياتي وقيام الاتحاد الروسي على جماجم الشيشانيين لم تحدث اي ادانة للماضي السوفياتي كما حدث في المانيا وايطاليا واسبانيا باستثناء ادانة خروتشوف اليتيمة التي طويت وانما لا تزال الدولة تمجد في الثورة الصناعية الستالينية والانتصار في الحرب العالمية رغم ان 90% من قتلى الحرب كان بسبب اوامر ستالين باعدام الجنود المنسحبين والاسرى عند الالمان والقتال حتى الموت.

      • أجل محق, لو أرسى السوفييت أية ثوابت ناجحة لما حصل الانهيار المروع , أو على أقل تقدير طال عُمره .
        ولك أن تتصّور أن المنظمات الدولية تُجرم أيه إبادة تلحق بشعب ما ,مالم تكن للأنجليز أو الروس يد بذلك , فقد تم تجريم إبادة الأرمن كما تعّلم , ولم تدان نظيراتها من إبادة شعب الاوقيانوسية, والهنود , …وهلم جرا.
        وبالمقبال صرحت قناة بريطانية بالماضي القريب تقديرات المنظمات الحقوقية الإنسانية , لعقوبة الإعدام في بلدان العالم والشرق الأوسط ,حيث تصدرت القائمة العراق وتلتها السعودية ,إذ كان الإعدام بالعشرات يشكل مصدر قلق, هذا الذي لايقارن بإعدامات العصر التيودوري إطلاقاً
        لاجرم بأن العالم فقد عدالته مُذ ذاك الحين الذي أطبق عينيه عن جرائم الأنجليز وما تلاها من السوفييت .
        شكراً لك استاذ يوسف .

  4. أسلوبك كالخيل البرية الغير المروضة, لم أستطع ركوبها إلا بشق الأنفس ولما ركبت أصبحت وديعة هادئة. أنا الآن أمسك باللجام و أمتطي ذاك العالم المظلم الذي رسمته عن سجن الغولاك.

    لكنني تمنيت حقائق و أوصاف تجعلنا ندرك ما نحن بصدده و نحس و نشعر بما شعر به سجناء الغولاك, كما تمنيت أن يكون أسلوبك أكثر بساطة و أن يزيح ثقل ألفاظه المختارة. سلمت أناملك

    • شكراً على ما كتبته أيها الكريم
      كتابة الرسائل لا تحتمل من وصف الحال العام للغولاغ أكثر مما تحتمله من الوصف الشخصي لصاحبه
      هذا وكما لايخفى عليك, نؤثر الإيجاز ما استطعنا في كتابة المواضيع , فوضع حقائق أخرى يتطلب اسهاب غير مستحب للعامة
      اشكرك مره أخرى على تشريفك للموضوع :)

اترك رد