في عالم اليوم يختلفُ الناسُ حول كل شيء، حتى التوبة اختلفوا فيها! هل التائب ينبغي له أن يكون على تعاليم الشيخ فُلان؟! أو على منهج الأستاذ عِلَّان؟! أم تُرى يكون من معجبي الشاب ترتان! في الحقيقة حتى التوبة نشبت في تعريفها حروبٌ كحروب الكوكب الخيالي تايتان!

ولهذا دعني أترك كل هؤلاء يتعاركون لأنظر في خلق الله لأجد نموذجًا لا يختلف عليه اثنان في تعريف أنه «التائب النموذج»! فلا ينبغي لهذا النموذج أن يكون تابعًا ولا مريدًا ولا معجبا لأحد ولا بأحد إلا الله الواحد الأحد سبحانه وبحمده.

إنه «الفراشة»! أيّ فراشة Butterfly من أي نوع Species تابع لأي جنس Genus في أي عائلة Family من رتبة حرشفية الأجنحة Order: Lepidoptera.. رتبة الحشرات التي تضم كل أنواع الفراشات Butterflies والعثّة moths على وجه هذه الأرض([1]).

إن دورة حياة الفراشة في تشكُّلها الكامل Holometabola من طور إلى طور (بيضة، يرقة، عذراء، حشرة كاملة)؛ هي التي تمثل بجلاء تغيرات حياة «التائب» طوال حياته.

فها هي الفراشة تأتي إلى الدنيا جنينًا في بيضة؛ تُلقى هملًا  في وسطٍ ملائمٍ لتغذيتها ومناسب لظروف حياتها في طورها الأول، لكن الأم لا تتكفل بحضانتها ولا الأب يهتم لرعايتها!

وكذلك الإنسان قبل سنين إسرافه لابد لإسرافه من أسباب! فإما غياب التربية و التوجيه! وإما بيئة السوء ومغريات الضلالة، لكن على كل حال: فحتى المغريات لم تكُن لتنحرف بالإنسان إذا كان المربِّي إلى جواره ينصح ويقوِّم ويوجِّه، و«كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَعُولُ».

تبقى البيضة هكذا بلا رعاية؛ في حضانة السماء ورعاية الأرض حتى تفقس عن يرقة متشرِّدة نَهِمَةٍ! ربما كانت وحيدة، وربما كانت في كتلة cluster من اليرقات تحيا سويا وتتجمع للتغذية aggregation؛ وهذا التجمع إن كان فليس مجتمعا سويًا بل ليس مجتمع أصلا! هو مجرد زحام يأكل القوي فيه الضعيف.. يأكله حرفيا بمعنى الافتراس الذاتي بين أفراد النوع الواحد cannibalism!

1

وإذا لم تجد جماعة تفترس منها فإنها غالبا تفترس قشرة بيضتها ذاتها؛ في مشهد بائس جرَّها إليه حبُّ البقاء!

2

ولا رحمة ولا شفقة بينهم، كما أنه لم يكن لدى الأم والأب رحمة ولا شفقة! وهكذا تبدأ الحياة بالتشرد أو الافتراس!

وكذلك الإنسان المنحرف مبكرًا.. يتشرَّد في الشوارع حتى إن كان له مأوى، وتتلقفه الأيدي والأرجل فيتعلم الفساد، وربما يتصارع مبكرًا جدًا فيأكل أبناء جنسه من أجل المصلحة والسطوة أو يأكل بقايا وجوده ويبيع جسده ذاته كما يحدث فعليا في أبناء العرب والقوقاز والآسيوين المشردين في أوربا من تجارة بشر! جريا وراء البقاء أو إجبارا واقتدارًا!

وحين تمر المرحلة اليرقية الأولى وتنسلخ اليرقة المتشردة التي استطاعت البقاء أول انسلاخاتها لتنمو في جلد جديد لا يزال قادرا على التمدد لاحتواء جسدها النامي،وتكون قد اكتسبت قساوة الطبيعة؛فإنها تبدأ في التغذية على ما حولها.. تتغذى بنَهَمٍ شديد وعُنفٍ رهيب.. تأكل أضعاف أضعاف وزنها كل يوم وتُخرج مخلفات هضمها في كل مكان حولها وتستطيع تحديد خط سيرها في بيئتها إذا تتبعت إخراجها!

3

وما لا تتغذى عليه فقد تدمره ولا تأكل منه! أو تنخره وتخرج من خلاله بلا هدف! تدمر كل شيء وتلوث كل شيء، وتخزن نواتج الهضم في جسدها على صورة دُهن –شحم- يُكتنز شيئًا فشيئًا في فراغ الجسد، ويَحتشِد في كل مرحلة بعد أخرى، ويزيد شيئا فشيئا مع استمرار الحياة والتغذية!

ولا أرى مثيلا لهذا الشحم المختزن ناتجا عن إفساد البيئة إلا الذنوب والآثام! نعم! فالإنسان الفاسد إذا تجاوز مرحلته الحياتية الأولى المعفيَّ عنها ودخل في مرحلة البلوغ فتحول من مرحلة المشاغبة إلى الإجرام؛ فإنه وهو لا يزال فاسدًا يُدمِّر ما حولهويُفسد كل شيء ويحمِّل نفسه شيئًا فشيئًا بالأوزار والآثام ويترك خلفه خيطا من سوء السمعة وفساد السيرة يدل الناس عليه ليحذروه، أو ربما ليصيدوه سواءً لتطهير المجتمع منه إن كانوا صالحين أو للانتفاع منه واستغلاله إذا كانوا أشد فسادا منه أو مثله أو أقل!

وتستمر التغذية طوال الطور اليرقي ويستمر التخزين وتستمر الآثار العفنة في التزايد في الوسط المحيط! وأكثر اليرقات يتم افتراسها من قبل كائنات أقوى كالطيور والحشرات والعناكب المفترسة والخفافيش.

4

وكثير منها يتم التطفل عليه حتى يذبُل ويموت([5])! كل هذا لأن الحياة بالسيف تنتهي بالسيف! والمفسد فهناك من هو أكثر إفسادا منه! أو ربما تولَّى بعض أعضاء المجتمع مهمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو كان النظام عادلا فقضى على الفاسدين صغارا وكبارا! لكن بعض اليرقات تفلت من تلك المصائر الرهيبة، فتنجو وتعيش! لكنها تعلم والخلقُ يعلمون أنها لا يصلح لها أن تعيش يرقةً شرهةً! ولن تبقى طويلا بذيل الإخراج العفن الذي يدل عليها! فإنها لتحيا وتنطلق لابد لها من عملية تغيُّر كاملة تُصبح بموجبها كائنا جديا يتطهر من آثامه ويمحو سوء سيرته وينطلق إلى وَسَط جديد يحيا فيه بهويته الجديدة وشكله ومضمونه الجديدين.

وهذه العملية هي «التعذيرpupating»! لكن قبل هذا الطور تكون آخر مرحلة في الطور اليرقي.. وهي مرحلة «اليرقة الناضجة الكاملة full grown larva».. حيث تبلغ اليرقة حد الاختناق بشحمها! وحد امتلاء وسط محيشتها بإخراجها! كما يبلغ الفاسد حد الاختناق بآثامه وحد العار بسيرته وإجرامه وينبغي عليه التوبة والتغيُّر! وكأن هذا الطور يكون حقا طور تفكير! فاليرقة لا تسعى فيه كثيرا ولا ترتكب شيئًا تقريبا! لكنها تستعد فسيولوجيا لما بعده من «تعذير» تماما كما المذنب يخوض طور تفكير واتخاذ قرار يستعد فيه لما بعده من توبة!

وحين يأتي طول «التعذير» -بالذال-! الذي شاء الله أن يختار له بحكمته اسما قريب الجَرْسِ من اسم العقوبة وهي«التعزير» -بالزاي- كأن الخيالات والأفكار التي تمر بالإنسان حينها هي عذابات النفس وتعزيرها وعقوبتها التي تدفعها دفعا للتغيير والتوبة في عزم على الرشاد لا يلين!

حين يأتي طور «التعذير» فإن اليرقة الناضجة الكاملة تستحي! وتنسج حول جسدها شرنقة رقيقة من الحرير الصافيوتختفي بداخلها متحصنة بجلد يرقتها الأخير الصلب chrysalis! تنسج الشرنقة من مخزون جسدها؛فالحرير تفرزه نقيا ليس فيه همسة من وسطها المحيط الملوث الذي تعيش فيه! وجلدها الأخير الصلب هو جلد فترة الهدوء التي تسبق سكون التغيير

5

تماما كما ينسج الإنسان حول نفسه شرنقة العُزلة حين يعزمُ على التوبة! فإنه يُفرز من نفسه القرارات التي يترك بها صحبته الفاسدة ويختفي من بيئته طاهرًا من كل أدناسها وأدرانها! ويتحصن بما وصل إليه من قرارات في فترة الهدوء التي تسبق سكون التغيير وعزلته.. فيلزم المسجد أو البيت أو منتجع حتى يصفو ذهنه ويدخل في عملية التغيير!

ولا تتم عملية «التعذير» إلى في سكون وظِلِّ داخل الشرنقة! لأن إنزيمات التغيير هذه لا تعمل في ضوء الشمس! ولأن جسم العذراء الهشّ جدًّا يحترق في حرارة الشمس! فالتائب لا يصلُح له أن تكون توبته وسيلة شهرة ولا منفعة! ولو اتخذها سلم شهرة أو قبض لها ثمنا؛ فإنها ليست توبة ولن يتم «التعذير» ولن تتغير اليرقة التي طالما انتهكت قلبها الأوزار إلى فراشة عذراء القلب بلا آثام! بل سيبقى طالب الشهرة في الإخراج والوحل ويموت متعفنًا أثيمًا!

ثم عند دخول اليرقة في طور «التعذير» فإنها تتغير كليا خارجيا وداخليا؛ ويكون وقود التغيير هو ذلك الشحم المخزون! فتفيض إنزيمات الجسد فيضا وتحرق هذا الشحم لينتج الطاقة وتنطلق عمليات فسيولوجية رهيبة تعيد بناء كل شيء في جسد تلك اليرقة.. فهي شيئا فشيئا لا تعود يرقة! اليرقة كانت جسدا غضًّا بأرجل أثرية قصيرة وضعيفة ولا قرون استشعار ولا عيون مركبة ولا أجنحة ولا صفائح قوية في هيكلها الخارجي يعينها على صد ضربات الأعداء وخدوش الاحتكاك في البيئة.

6

كان أصلب ما فيها أجزاء فمها القارضة القوية الفاجرة!

7

كانت أشبه ما تكون بقطعة قطن أصبعية الشكل مغلقة بالهُلام! أما الآن فإنها تثور في شرنقتها! تنبت لها ستة أرجل قوية في أسفل صدرها تنمو شيئا فشيئا، وتنمو أربعة أجنحة قوية في أعلى الصدر برويّة، وتخرج على الرأس قرون استشعار تميز بها الصحيح من القبيح والنافع ومن الضار.

8

ولكن أجزاء فمها القارضة القوية تضمحل! وتخبو قوتها! وتصير لينة طويلة على شكل ماصَّات تمتص بها الرحيق.. وهي في أثناء ذلك أيضا تتحور أجهزتها التناسلية ويتكون البيض في مبايض الإناث والحيامن في خصيِّ الذكور استعدادا لاستكمال دورة الحياة..

الشاهد أنها في ذلك الطور الساكن.. طور التعذير تتحور إلى كائن آخر لو رأيته لا تظن أبدًا أنه ناتج عن ذلك الشيطان الصغير الغض الذي أتعب من حوله فسادًا وإفسادًا! وحين تحل «اللحظة الفارقة»؛ تنشق الشرنقة وتخرج الفراشة منها كائنًا جديدا قد أنشأه الله نشأة ثانية! وأنت ترى جليا أن الشحم –الدهن المخزون في الجسد- قد تحول إلى تلك الأعضاء النافعة القوية تماما كما أن ذنوب العاصي وآثامه يبدلها الله بالحسنات؛ فقد توعَّد الله المذنبين بالنار! لكنه استثنى التائبين المُصلِحِين من العذاب وبشّرهم؛ فقال سبحانه وبحمده: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) ! كل كمية الشحمصارت أجهزة قوية نافعة تماما كما أن كل الآثام كلها قد انقلب إلى حسنات تنفع التائب في حياته الجديدة؛ تماما كما كانت آثامُه تضرّه في حياته القديمة البائسة! سواء بسواء! وكيف لا وقد تغير وصار كائنا جديدًا! وبعد أن كانت اليرقة تسعى في الطين وتختبيء في الأوراق الساقطة الميتة وتنام في إخراجها فقد صارت فراشة تطير في الهوا وترشف الأزهار وتبيت على الأشجار! وكذلك «التائب النموذج» لا يعود إلى صحبة السوء ولا وسط وحل الذنوب أبدًا بل ينطلق محلقا بعيدا في طهارة وعلوٍّ ونقاء..

فالتائب الذي لا يتغير ليس تائبا!والتائب الذي يبقى في وسطه القديم ليس تائبا! والتائب الذي يحمل معه رواسب الجاهلية ليس تائبًا! والفراشة تخرج أولما تخرج ضعيفة منثنية الأجنحة.

9

لكنها مع بعض السكون لا تلبث أن تقوى وتنفرد أجنحتها وتتصلب.

10

وكذلك التائب في بداية توبته يكون ضعيفًا تتنازعه نفسه وذكرياته ويحن إلى قديم أحواله وكذلك لا يكون متمكنًا من أدوات حياته الجديدة ضعيفا في الحركة فيها.. ثم في هدوء وإيمان يقوى ويصلُب عودُه ويتمكن من أدوات حياته الجديدة..

وكما تنطلق الفراشة بأجنحتها قوية الطيران يانعة الجمال تزهو في ضوء الشمس نهارًا؛ بعد أن كانت أكثر تغذيتها في الظلام ليلاً،وترتشف الرحيق، وتنقل بين حراشفها حبوب اللقاح التي تساعد على نمو النباتات التي كانت قد دمرتها من جديد.. فإن المؤمن كذلك ينطلق مستقيم الأعمال، قوي الحركة، بهيَّ الطلعة في نور الإيمانبعد أن كان في ظلمة الجاهلية؛ بل كان يفضل حياة الليل أصلا على حياة النهار! يُصلح ما كان أفسده كما أنه يصلح نفسه وغيره (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ).

11

وهكذا قصة الفراشة من تدمير وَسَطِ معيشتها إلى طيرانها: هي قصة «التائب النموذج»؛ من فساده إلى إصلاحه! لذلك فعلى العاقل ألا ينظر في التائب:هل صار مع مَن؟ أو تقرّب مِن مَن؟بقدر ما ينظر هل ترك صحبة الفساد أم لا؟! وهل تغير تماما أم لا يزال يحمل صفاة جاهليته السابقة؟ وأن هل انتقل إلى جاهلية أخرى ويخدع نفسه أم تطهَّر واستقام؟!. وهل صار يُصلِح في نفسه ومن حوله أم لا يزال يُفسد أم صار سلبيا لا همّ له إلا نفسه؟! فعلامات التائب التي نستطيع الاطلاع عليها هي كونه كالفراشة.. فيا أخي التائب: لو كنتَ فراشة؟!

المصادر

[1] F. Martin Brown (1981), Butterfly taxonomy: a reply, Journal of research on Lepidoptera, 20(4): 193-198.

[2] Monika Maeckle (2013), Caterpillar Cannibalism UPDATE: Monarch butterfly caterpillar eats another for lunch  http://texasbutterflyranch.com.

[3] Donald Quintana (2013), Monarch Caterpillar, Danausplexippus, 1st Instar eating its egg shell. Los Osos, CA  https://www.flickr.com/photos/donaldquintana/10477112574.

[4] Monika Maeckle (2013), Part Two: More Tips for Raising Monarch Caterpillars and Butterflies at Home  http://texasbutterflyranch.com/.

[5] University of MinnesotaDept. of Fisheries, Wildlife, and Conservation Biology (2003), Partnering to conserve the monarch butterfly migration: Natural Enemies, http://monarchjointventure.org

[6] Scardosi (2012), The Star Pupae: Chrysalis and Cocoon, http://www.kidspacemuseum.org

[7] Juvieria (2009), Insect butterfly cocoon, http://juvieira.deviantart.com

Notice

Comments

comments

7 Comments

Leave a Reply
  1. في بداية المقال شعرت ان التشبيه ابتعد، لكن مع استمرار القراءة وجدته تشبيه متعوب عليه
    فكرة جديدة واسلوب جديد والسير مع القارئ خطوة بخطوة للوصول لمرادك والانتهاء الى حيث بدأت
    باختصار مقال رائع . احسنت
    تمنياتي بالتوفيق

    • وجدت أن هذا الأسلوب هو ما أحب أن يخاطبني به من أقرأ لهم ليأخذوني من عالمي رويدًا إلى عالمهم، فلم أجد أصلح منه لهذا الموضوع.. أسأل الله أن ينفعني وإياك به وكل قارئ..

  2. مقال أكثر من رائع, بارك الله فيك .. حقا ابداع في كيف وجدت هذا التشبيه الأكثر من دقيق.

    • وفيك بارك الله ونفعني وإياك به.. الحشرات هي مجال دراستي وعملي ودراستي العُليا، والتوبة هي للإنسان كالماء والهواء.. فكان هذا الدمج بين الدراسة الأكاديمية التي أحياها وأتنفسها وبين التوبة التي لا حياة بدونها..

اترك رد