Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

النسبية اللغوية: هل ينظر العربي للحياة مثل الصيني؟

هل تؤثر اللغة على نظرتنا للحياة ؟ وهل اختلاف اللغة بيننا يجعل من رؤية الأشياء شيئاً مختلفاً من فرد لآخر ؟ وهل ما يدركه الفرد العربي هو ذاته ما يدركه الفرد الياباني عند مرورهما بنفس المثيرات والمُدركات ؟


Greet's

هذا ما سنتعرف عليه من خلال نظريةٍ أحدثت ضجةً عند ظهورها وهي نظرية النسبية اللغوية ، وإن بدأنا الحديث عن اللغة ، اللغة هي من أعقد مظاهر السلوك وهي السلوك الذي يجعلُ من الإنسان متفرداً عن غيره من الكائنات الحية ، إضافةً إلى كونها أحد العوامل المؤثرة على نظرتنا و إدراكنا للحياة و هذا ما تثبته النظريات المعرفية و اللغوية –حيث اللغة كانت موضوعاً تناوله علم النفس بالدراسة والبحث وعلى وجه الخصوص علم النفس المعرفي Cognitive Psychology-  ، ومفادُ هذه النظريات كان : أن التحدث بلغات مختلفة يجعل من رؤية العالم شيئاً مختلفاً لدى متحدثيها المختلفين .

و هذا ما نسمّيه النسبية اللغوية ، وتُنسب هذه النظرية إلى العالم وورف (whorf) من أشهر علماء الاجتماع الأمريكيين . وفكرتها مفادها أن اللغة تحدد التفكير فهي ترى أن المجتمع لا يرى العالم إلا من خلال لغته ، فاللغة تساعد التفكير و تساعد على نموه ، وينطوي هذا الموقف على جانبين هما :

1- التسليم بالنسبية اللغوية , أي أن المتكلمين باللغات المختلفة لديهم إدراكات وتصورات مختلفة عن العالم.

2- الحتمية اللغوية , وتدعي أن بناء اللغة يضع قيوداً أو شروطا على تمثيلات اللغة.

يعتقد وورف أن شكل اللغة المعين , يؤثر في إدراك الفرد للعالم , ويفسر ذلك بأن اللغات تختلف بشكل كبير , ولهذا فإن العالم يتم إدراكه بشكل مختلف من خلال المتحدثين للغات مختلفة.

ومثال بسيط على ذلك :

لو طُلب من شخصين عربي و ألماني أن يرسما “شخصية التفاحة” ؟ كيف سيرسمها كلاً منهما ؟

– في حالة الشخص العربي فإنه سيرسم التفاحة على هيئة أنثى – بشعرٍ طويلٍ مثلاً – (هذهِ تفاحة).

– في حالة الشخص الألماني ، على الأغلب سيرسم التفاحة على هيئة ذكر – بشوارب مثلاً – . ذلك أنّ التفاحة عند الألمان اسم مذكر . إذاً قد تكون نظرية وورف صحيحة فعلاً !

tmp_cover160

هناك نقطة من النقاط المهمة أيضاً في اللغة ، ذلك أن الإنسان على الأغلب لا يعطي اهتمامه لأشياء لم يطلق عليها أسماء . نذكر على ذلك ما كان في قوله تعالى في كتابه الحكيم حين قال –عزّ وجل- : “وعلم آدم الأسماء كلها” فعِلم آدم الذي أعطاه الله إياه يعطي تصوراً واضحاً عن إلمامه بكل شيء، عند قولهِ أنّ له علمٌ بالأسماءِ كلها .

على كل حال ينبغي علينا أنّ ننوّه لنقطةٍ مهمة –كما أتى بها وورف في نظريته- ذلك أنّ خبراتنا عن العالم من حولنا لا ندركها إلا من خلال المجال الذي تسمح به لغتنا بكلماتها و قواعدها ومن خلال المعنى الذي نعرفه ، بالتالي خبراتنا و أفكارنا مختلفة عن أناس قد مرّوا بنفس تجاربنا لأنه -وببساطة- إدراكاتنا لها تختلف .

إلا أنّ ذلك لا يعني بالضرورة أن اللغة هي المؤثر الوحيد في إدراكنا للأشياء فهذه نظرة متطرفة جداً ، والعلمُ لا يجبُ أن يكون متحيزاً ، فنحنُ لا نستطيع على كل حال أن ننكر دور عوامل عدة مؤثرة في الإدراك كالعوامل النفسية والظروف الاجتماعية ، البيئية ، السياسية والخبرات الشخصية والثقافية .

بطبيعة الحال كل فردٍ فينا – متفرّد – يختلف عن الفرد الآخر ، و لكلٍ منا نظرته الخاصة للحياة و ذلك بتأثير عوامل متعددة مجتمعة مع بعضها ، ولا يمنع ذلك بالضرورة ألا تكونَ هناك عوامل عامة نشترك فيها جميعاً .

أخيراً ، اللغة ليست مجرد أداة تواصل فحسب ، وهامبولت يقول : ” كل لغة تحمل في طياتها نظرة متميزة إلى العالم ” .

المصادر

كتاب التفكير واللغة للدكتور وليد رفيق العياصرة + مدرسة إكس

Comments

comments

29 Comments

Leave a Reply
  1. مقال مهم جداً يانُسيبة ..
    نفس الفكرة راودتنى منذ أسابيع على هيئة أسئلة وأعتقد انى وجدت الخطوة الأولى فى طريق البحث عن الإجابات
    شكراً لكِ

  2. وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا**
    وليس علمنا

  3. لله الحمد أن اكرمنا الله بلغةٍ وسعت الكون بمجمله , فإذ كانت نظرية وورف على أتم صحة , فالأولى أن يكُن ادراك المتحدث بالعربية أكبر من نظرائه الآخرين , لكن تجري الرياح بما لا تشتهي اللعربية :)
    شكراً لكِ

  4. الموضوع يحتاج الى المزيد من التعمق والتفصيل ولكن بالمجمل مقال ممتاز !

  5. تصحيحاً للاية الكريمة

    وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ

    سورة البقرة آية ٣١

  6. اللغة نسق من الإشارات والرموز، يشكل أداة من أدوات المعرفة، وتعتبر اللغة أهم وسائل التفاهم والاحتكاك بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة. وبدون اللغة يتعذر نشاط الناس المعرفي. وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطًا وثيقًا؛ فأفكار الإنسان تصاغ دومًا في قالب لغوي، حتى في حال تفكيره الباطني. ومن خلال اللغة فقط تحصل الفكرة على وجودها الواقعي. كما ترمز اللغة إلى الأشياء المنعكسة فيها.

  7. اتفق معكِ فيما طرحتي ولذلك ارى مدى حكمة الله عز وجل في اختيار اللغه العربيه لكتابه المبين وفي نفس الوقت تأكدت لي شكوكي حول ان غير المتحدثين بالعربيه من المسلمين لهم نظره مختلفه للإسلام بعد الاطلاع عليه بلغتهم وهذا من واقع عدة تجارب مررت بها شخصياً لذا ارى انه من واجب كل مسلم غير عربي ان يتعلم اللغه العربيه ليدرك تلك المعاني التي لم تصله بلغته كما ارى ان من واجبنا نحن ان نرفع من شأن لغتنا لأن فيها ما ليس في غيرها

  8. وفجاة المقال انتهى . الموضوع جميل ويمكن التعمق فيه اكثر اتمنى الزيادة

  9. مقال رائع ..
    يفتح للانسان افاق في نفسه وتفكيره كان يجهله ..
    اشكرك على المعلومات القيمة ..

  10. الفكرة جميلة لكن كان من الأفضل لو تم التوسع قليلاً في طرح الموضوع من جوانب مختلفة، خصوصاً أن ما تم طرحه في المقال يمثل الجوانب المعروفة من الموضوع.
    على أي حال تمنياتي لكِ بالتوفيق

  11. رائع وجميل يانسيبة ابدعت ايما ابداع وتميزت كثيرآ بدأت بمقدمة تعطي للقارئ فكرة واضحة لعماتريدين التحدث عنه وايضا استشهادك بالامثال التي تقرب الفكرة كثيرا وخاتمة اجمل عندما قلت بأن ماتحدثت عنه ليس شرطا اساسيا وربما قد تكون هناك عوامل اخرى..دمت متألقة وننتظر جديدك

اترك رد