ما هي الثقوب السوداء؟

هل نظرت يومًا إلى الشمس و تساءلت كم هى كبيرة؟ ما أعظمها!

1

تعال معى لنتخيل نجم هائل بحجم الشمس بكل تلك الكتلة الهائلة وعنفوان عواصفه المدمرة يتعرض لظرف ما يؤدى إلى انهياره وتقلص حجمه حتى يصبح بحجم كرة القدم. فتلك الكرة الغازية الملتهبة ذات الحجم الهائل تعرضت ليس فقط لتقلص فى الحجم وإنما لانضغاط ف الكتلة أيضًا.

وللنجم طاقة، تلك الطاقة هى “سبب وناتج” كل التفاعلات التى تحدث داخله وهى سبب الضوء والحرارة الناتجين منه وعندما تستنفد كل تلك الطاقة فإنه يبرد ويتقلص حجمه وتنضغط كتلته فى مساحة ضيقة.

طبعًا فى الواقع و داخل الكون اللانهائى لا تسير الأمور على هذا النحو من الخيال، فالثقب الأسود يحدث فى ظروف وبشروط معينة، فالنجم الذى تزيد كتلته عن ثلاثة أضعاف كتلة الشمس هو الذى يتسبب فى حدوث ظاهرة الثقب الأسود. ولا تحدث تلك الظاهرة إلا عندما ينفجر باطن النجم داخله. أما النجوم الأقل كتلة فتتسبب فى تكوين نجم ملىء بالنيوترونات بحجم مدينة صغيرة، وهى ظاهرة أخرى تسمى “النجوم النيوترونية الدوارة” لكنها ليست موضوع حديثنا.2

و بالطبع لهذا الانضغاط الشديد تبعاته، ولك أن تتخيل مدى التأثير على الأجسام المجاورة لجسم هائل الحجم انضغطت كتلته وانسحقت فى تلكالمساحة الضيقة.

حيث يتسبب هذا الجسم الضئيل العنيف ذو الكتلة الهائلة فى انبعاج شديد فى الزمكان من حوله (شبكة الزمان و المكان). و يتسبب هذا الانحراف الضخم بدوره فى خلق مجال جاذبية له من القوة ما يستطيع به أن يستقط
ب كل جيران هذا النجم الميت بحيث لا يستطيع أى شىء الإفلات منه أبد الدهر حتى الضوء، ولهذا يظهر أسود.

كيف نعلم بوجود الثقوب السوداء؟

فى الحقيقة لا يمكننا رؤية الثقوب السوداء بالعين المجردة من خلال تليسكوباتنا، لكن هناك طرق أخرى لكشفها. كيف؟!

3

صورة مرئية لنجم الدجاجة اكس-1“Cygnus X-1” فى الصورة (على اليسار) ويعتقد العلماء أن هذا النجم الثنائى يحتوى على ثقب أسود تبلغ كتلته 15 مرة قدر كتلة الشمس و يدور حول نجم أزرق عملاق (على اليمين) ويعتقد العلماء أن الثقب الأسود يجذب الغازات من النجم الآخر المرافق له.

يبحث علماء الفلك عن أدلة لتحديد مكان الثقوب السوداء. لكن لا يكفى دليل واحد لإثبات حقيقة وجود تلك الثقوب.

  • الكشف عن الأشعة السينية الكونية

يقوم حقل الجاذبية المحيط بالثقب الأسود باجتذاب و ضغط الغازات الصادرة من النجوم المحيطة به. يتسبب هذا الضغط فى رفع درجة حرارة الغازات بشكل كبير حتى أنها تبدأ فى بث الأشعة السينية.

  • مراقبة النجوم المتذبذبة

يعرف علماء الفلك أنه عند ملاحظة تذبذب نجم بعيد يدل هذا غالبًا على أنه يسرى فى مدار جسم مصاحب له، إذا كان هذا الجسم غير مرئى و تصدر منه أشعة سينية فقد يكون ثقبًا أسود.

  • تحديد الكتلة

يدل بُعد النجم عن مصدر الأشعة السينية وسرعة وحجم تذبذبه على كتلة الجسم غير المرئى.

  • مقارنة كل الأدلة

إذا كانت كتلة الجسم غير المرئى حوالى ثلاثة أضعاف كتلة الشمس أو أكثر، وإذا كانت جميع الأدلة الأخرى موجودة فإنك تكون قد عثرت على ثقب أسود.

 تأثير الثقب الأسود

هل يحجب شىء ما مجال رؤيتك؟ ربما يكون ثقبًا أسود؟

تغير النوافذ العتيقة المتعرجة والنظارات سميكة العدسات ما نراه عن طريق تغيير مسار الضوء الصادر من الأجسام أمام أعيننا. طبقًا لتنبؤ أينشتاين فإن للجاذبية تأثيرًا مشابهًا لتأثير العدسات. قد تظهر النجوم والمجرات البعيدة فى غير أماكنها الصحيحة أو بشكل مزدوج أو منحرف لتغير مسار الضوء الصادر منها بسبب مروره على انبعاج فى شبكة الزمكان، والذي غالبًا ما يتسبب فيه حقل جاذبية قوى. تخلق الجاذبية الهائلة للثقوب السوداء انحرافًا فريدًا من نوعه، حيث تحبس الضوء فى مركز الصورة بينما تقوم بتحويل مسار باقى الصورة نحو الخارج.

 تشريح الثقب الأسود

وكما تحدثنا من قبل عن ماهية الثقب الأسود وكيفية حدوثه عندما تنهار كتلة جسم ما وتتحول إلى حجم ضئيل فتتسبب تلك الكتلة الهائلة والمضغوطة بشدة فى إحداث انبعاج شديد فى شبكة الزمكان حيث أنها لا تسمح بالهرب لأى شئ يقترب منها إلا إذا تجاوز ما يسمىبـ “أفق الحدث” و هو نقطة اللاعودة، فكل ما يعبر ذلك الحد الفاصل لا يمكنه الهرب من جاذبية الثقب الأسود.

التمدد الأخير: إذا قفزت داخل ثقب أسود، سوف تزداد الجاذبية كلما اقتربت من مركزه. فإذا كانت أرجلك أقرب للمركز من رأسك، فسوف تتمدد أرجلك مثل شرائط الاسباجيتى.

 الفضاء ثلاثى الأبعاد4

يمتد الفضاء حول كل فرد منا فى ثلاثة أبعاد، من أعلى إلى أسفل، و من جانب إلى آخر، و من الأمام للخلف حتى أقصى أركان الكون. ولكن أوضح أينشتاين أن الفضاء لا يوجد مستقلًا عن الزمن.

الزمكان رباعى الأبعاد

تظهر “شرائح” الزمن فارسًا يمتطى جواده فى فضاء ثلاثى الأبعاد تمامًا كالشريط السينمائى. و تقوم كل “شريحة” بتحديد اللحظة الزمنية لوقوع الحدث. وهكذا يشكل الزمان والمكان معًا الساحة رباعية الأبعاد التى تحتوى الكون بأسره.

هكذا تحدثت النظرية النسبية الخاصة لأينشتاين، فقد أضاف للثلاثة أبعاد المعروفة للمكان بعدًا رابع وهو الزمان وأثبت أن الزمان و المكان معًا يشكلان الأحداث فى الكون.

 

مسألة زمنية صعبة

كان الاعتقاد السائد قديما بأن الثانية هى الثانية فى أى مكان بالكون، وبالتالى فإن معدل انتقال الزمن يعتمد على مكانك و سرعة انتقالك فى تلك اللحظة.

أرشيف ألبرت أينشتاين، الجامعة العبرية بالقدس، اسرائيل

قرر أينشتاين فى نظرية النسبية الخاصة أن الزمن نسبى، أى أن معدل مرور الوقت يعتمد على الإطار المرجعى لكل فرد. فقد يختلف شخصان فى أطر مرجعية مختلفة حول وصف حركة ما، وكذلك قد يختلفان حول وقت وقوع حدث ما والزمن الذى يستغرقه. من الممكن أن تكون الثانية فى إطار مرجعى ما أطول من مثيلتها فى إطار مرجعى آخر.

فبمقارنة شخصين أحدهما فى إطار مرجعىك الأرض، وآخر فى إطار مرجعىك مدار ثقب أسود؛ فإن سرعة مرور الزمن تختلف بين كل راصد للوقت.

و لفهم اختلاف و تمدد الزمن من مكان إلى آخر داخل أرجاء الكون يجب علينا مناقشة مجموعة من المصطلحات و تخيل بعض من التجارب الشيقة أولًا  لكنها ليست موضوع حديثنا الآن، سنفرد لها مقالات أخرى.

حياة هولوجرامية؟! مفارقة فقدان المعلومات

توضح نسبية أينشتاين أنه بمجرد تجاوز أى شئ لأفق حدث ثقب أسود ما، فإنه يظل حبيس هذا العملاق أبد الدهر، وهنا اختلفت معه ميكانيكا الكم و ظهر ما يسمى بظاهرة “مفارقة فقدان المعلومات” والتى حيرت العلماء لعقود عديدة. فحين تقول ميكانيكا الكم أن لا شىء يمكن أن يتدمر نهائيًا، فإن النسبية العامة تقول أنه يمكن أن يتدمر.

5

حتى أتى ستيفن هوكينج بنظرية جديدة مؤخرًا تم الكشف عنها بتاريخ 25 أغسطس 2015 فى المعهد الملكى للتكنولوجيا فى ستوكهولم، موضحًا بأن أى شئ يتم امتصاصه من قبل الثقب الأسود فإنه بشكل فعال قد تم محاصرته فى أفق الحدث المحيط بالثقب الأسود والذى كان يعتقد أن لاشىء يمكن أن يهرب منه.
وهو يدعى أن أى شىء سيسقط فيه فإنه سيعاود الظهور مرة أخرى فى كوننا أو في كون مواز، من خلال ما يُعرفبإشعاع هوكينج – البروتونات التى نجحت فى الهروب من الثقب الأسود بسبب التقلبات الكمومية.يقول هوكينج: “لا تخزن المعلومات داخل الثقب الأسود كما سيتوقع المرء، وإنما عند حدوده –أفق الحدث”.

وبالعمل مع كل من مالكولم بيرىMalcolm Perry، وهو بروفسور لدى جامعة كامبريدج، والبروفسور أندرو سترومبيرجAndrew Stromberg من هارفارد، صاغ هوكينج الفكرة التى تقول بأن المعلومات تخزن بشكل يعرف بالنقل الفائق.ويُضيف هوكينج: “الفكرة هى أن النقل الفائق عبارة عن هولوجرام للجسيمات الداخلة، وبالتالى فهى تحتوى كل المعلومات التى كانت ستُفقد فى أحوال أخرى”.

أُصدرت هذه المعلومات عبر اهتزازات كمومية (quantum fluctuations) تنتجها الثقوب السوداء وإن كان ذلك “بشكل عديم الفائدة وفوضوى” وفقًا لهوكينج الذى يُتابع: “المعلومات بحكم المفقودة بالنسبة لكل الأهداف العملية”.

الخلاصة: يقترب الجسم من الثقب الأسود و يتجاوز أفق الحدث فيظهر -وفقًا لإشعاع هوكينج و نظريات ميكانيكا الكم- بصورة هولوجرام ثنائى الأبعاد فى كوننا أو فى كون مواز.

وفى ختام موضوعنا نكون قد تعرفنا على ماهية الثقوب السوداء وتشريحها وتأثيرها فى المكان و الزمان من حولها، و قد أصبحنا على علم بطبيعة الحياة عند أطراف الثقب الأسود وفقًا لما توصل إليه العلم من نظريات حتى يومنا هذا.

المصادر

  • كتاب “أينشتاين” الصادر عن متحف التاريخ الطبيعى بالولايات المتحدة الأمريكية و ترجمة مكتبة الإسكندية بمصر
  • كتاب Space Atlas الصادر عن ناشيونال جيوجرافيك
  • محاضرة هوكينج بالمعهد الملكى للعلوم و التكنولوجيا بستوكهولم 2015
  • مقال جريدة التليجراف الإنجليزية بعنوان Interstellar was right

Notice

Comments

comments

One Ping

  1. Pingback:

اترك رد