بعض الناس يقول ان الوقت يطير، الوقت من نقود، نحن نهدر الوقت، نحن نقتله؛ لكن ماذا نعرف فعليًا عن الوقت أو الزمن؟

يبدو الزمن مثل النهر, كانه يتدفق بلا نهاية لحظة بلحظة ولا يمكن ايقافه, ھناك أمر وحید مؤلم في وضوحه بالنسبة لنا جمیعاً ُ ، ھو أن للزمن اتجاه. إنه يخطو قدماً بانتظام مرعب،ولیس ھناك من سبیل لإعادته إلى الوراء.

time

من وجھة نظر فیزيائیة، يمثل اتجاه الزمن ھذا لغزاً، كبيرا وحل ھذه الأحجیة ھو ليس فقط مهمة الفيزائيين بل والفلاسفة ايضا.

يبدو الزمن وكانه يتدفق في اتجاه واحد فقط …باتجاه المستقبل ,في الواقع هذا اعتقاد خاطئ تماما ,الاكتشافات التي حدثت في القرن السابق اظهرت ان كل ما نعرفه عن الزمن مجرد وهم, بعكس ما كنا نعتقد , الزمن لايتدفق اطلاقا ,ربما ماضينا موجود في مكان اخر من الكون,… مستقبلنا من الممكن ان يكون موجودا الان,…. اثبت اينشتاين ان الزمن من الممكن ان يتسارع ، يتباطئ , يتوقف , أوحتى يرجع ولكن كيف؟ انه شيء مألوف جدا بالنسبة لنا كيف يمكن أن نكون مخطئين بشدة حياله؟ ولكن إن كان الزمن ليس كما هو فما هو الزمن؟ من أين أتى ؟ هل سينتهي؟

Mezzanine_791

معظم الناس ينظرون الى الزمن نظرة سطحية, فهم يظنون الزمن شيئا ثابتا ,الساعة تدق بنفس السرعة بنفس الوتيرة في كل الارجاء , حتى لو توقف كل شيء عن الحركة ,من السيارات إلى الكواكب أو حتى الضوء فان الزمن ثابت . هذا ما بدأه الاب الروحي للعلوم الحديثة (إسحاق نيوتن) وهذا من المؤكد اعتقاد خاطئ.

كان الزمن بالنسبة لنيوتن شيئا ثابتا تماما وتغيره ثابت في نفس المعدل ,الزمن فقط يتقدم ولا يمكن ايقافه أو فعل أي شيء حيال ذلك ,كل لحظة تأتي مرة واحدة فقط ,…رغم منطقية نيوتن إلا أن آينشتاين أثبت أنها غير صحيحة.

اكتشف آينشتاين أن الزمن يتقدم بسرعات مختلفة ، وكما يبدو من اكتشافه الغريب أن الزمن قد لا يكون بالنسبة لي مماثلا لما هو عندك، يمكننا القول إن اكتشاف آينشتاين سحق مفهوم نيوتن للواقع…. وصل آينشتاين لهذا الاستنتاج عندما اكتشف علاقة مخيفة بين الزمان والمكان.

وباكتشاف هذه العلاقة أدرك أنه لا يمكننا أن نفكر في الزمان والمكان كوحدتين منفصلتين, بل يجب أن نفكر فيهما كوحدة واحدة غير متجزئة وهذا كان بداية مفهوم (الزمكان او Spacetime).

time_travel_dials_by_eddyhaze

في حياتنا اليومية نشعر في الزمن كتدفق مستمر, ولكن من المفيد أيضا أن نفكر فيه كلقطات متتابعة من المشاهد أو اللحظات وكل شيء يحدث يمكن تصوره على أنه تتابع لحظة بعد لحظة, وإن كان بإمكاننا تصور كل اللحظات أو المشاهد مصفوفة بالتتابع , كل لحظة على الارض كل لحظة من دوران الارض حول الشمس وكل لحظة تمر على كل ذرة في الكون بأجمعه فسيكون بمقدورنا أن نرى كل شيء ,ليس فقط في الحاضر بل في الماضي او حتى في المستقبل, كل موقع في الفضاء وكل لحظة من الزمن من ولادة الكون قبل 14 مليار عام إلى تكون النجوم في درب التبانة إلى تكون الارض منذ 4.5 مليار الى ظهور الدنياصورات حتى نصل إلى هذه اللحظة وأنت تقرأ هذه الكلمة.

بنظرته للزمان والمكان بهذه الطريقة غير آينشتاين فكرتنا عن الماضي والحاضر والمستقبل, لتوضيح هذا علينا أن نفكر في مفهوم “الآن” والذي يبدو كأول وهلة بديهيا وبسيطا,….. بالنسبة لي لو قمت بعد الأحداث التي تتضمن “الآن” فستتضمن على (دَقة وقت الظهيرة على ساعة الجدار, سيارة تمر “الآن” في الشارع مقابل منزلي ,و أشياء أُخرى بعيدة عني, مثل: حمامة ترفرف بجناحيها “الآن” في مدينة البندقية, شهاب يصطدم “الان” في القمر وا انفجار (مستعر اعظم) في اقاصي الكون) هذه الاحداث وغيرها هي التي أتصور انها تحدث في نفس اللحظة ,وفي أماكن متفرقة من الكون تلخص ما نسميه “الان” او الحاضر.

يمكننا تصور هذه الاحداث متواجدة على شريحة واحدة من الزمن ولنسميها (شريحة انية),المنطق يقول اننا جميعا متفقون على ما يحدث الان او ما هو متواجد الان, لحظة بعد لحظة ,بمعنا اخر اننا جميعا نُجمع على ما تحتويه شريحة واحدة من الشرائح الآنية, ولكن اينشتاين اثبت انه عندما ناخذ الحركة بعين الاعتبار فأِن كل ما كنا نعتبره طبيعيا يتلاشى تماما.

images_i7z5

لتوضيح هذا تَصور المكان والزمان كرغيف خبز, ادرك اينشتاين أنه بالأِمكان تقطيع رغيف الخبز الى شرائح بطرق مختلفة, توجد ايضا طرق مختلفة لقطع الزمان بطرق وزوايا مختلفة, ذلك لأن الحركة تؤثر على تدفق الوقت فكل من يتحرك ستكون له نظرة مختلفة لما يحدث “الان”,لذلك سيقطعون الزمن الى شرائح انية مختلفة, فشرائحهم ستكون بزوايا مختلفة ,فالجسم المتحرك سيغير زاوية القطع فستكون الشرائح الآنية مقطوعة بزوايا مختلفة ,فلن تكون موازية لشرائحي الآنية.

كي نبسط هذه العملية الغريبة ,فلنتخيل مخلوقا فضائيا هنا في مجرة تبعد عنا بعشرة مليارات سنة ضوئية ,وبعيدا هناك على كوكبنا رجل جالس على الاريكة يقرا الجريدة, اذا كان الاثنان جالسين في مكانهما فان ساعتيهما تدقان في نفس الوتيرة ,فسيكونان على نفس الشريحة الآنية التي تُقطع خلال الرغيف , لكن انظر ماذا سيحدث اذا قام المخلوق الفضائي بركوب دراجته الهوائية مبتعدا عن أرضنا بما أن الحركة تقلل من سرعة الوقت فأن ساعتيهما لم تعودا تدقان في نفس الوتيرة ,وبما ان ساعتيهما لم تعودا متفقتين فان شريحتيهما الآنية لم تَعد نفسها ايضا ,الشريحة الآنية للمخلوق الفضائي تقطع بزاوية مختلفة ,حيث اصبحت باتجاه الماضي, بما ان المخلوق الفضائي يتحرك بسرعة قليلة فأِن زاوية القطع ايضا صغيرة ,لكن لمثل هذه المسافة الكبيرة فسيكون الفارق الزمني كبيرا جدا في النهاية, لذلك فان المخلوق الفضائي في شريحته الآنية الخاصة به والتي يعتبرها تحصل على كوكب الارض ,سيجد انها لم تعد تحتوي على الرجل الذي يجلس على اريكته ولا حتى قبل 40 عاماً عندما كان الرجل طفلاً بل ومن المدهش ان شريحة المخلوق الفضائي الآنية قد تراجعت 200 عاماً لما نعتبره اليوم ماضيا بعيدا مثل. بتهوفن ينهي سيمفونيته الخامسة.

حتى في سرعات بطيئة نسبيا يمكننا الحصول على مفارقات شاسعة عن ما نسميه “الان” حينما نكون متفرقين بأبعاد شاسعة في الفضاء ,ان لم يكن هذا غريبا جدا بالنسبة لك فان اتجاه الحركة له تأثير ايضا فاذا غير المخلوق الفضائي اتجاهه فان شريحته الآنية ستكون نحو المستقبل محتوية احداثاً لم تحدث بعد على كوكبنا ل200 عام مقبل {إنا كل شيء خلقناه بقدر} (القمر:49)،فقد يكون حفيد حفيد حفيد الرجل مسافرا من باريس الى نيويورك عبر الناقل الفوري.

لحظة ادراكك ان حاضرك قد يكون ما اعتبره انا الماضي ,او ان حاضرك قد يكون المستقبل عندي وان حاضرك وحاضري واقعيان عندها سنعلم ان الماضي حقيقة وان المستقبل حقيقة وقد يكونان حاضرك يعني ذلك ان الماضي والحاضر والمستقبل جميعها حقيقة واحدة ,جميعها موجودة ان صدقت قوانين الفيزياء. فالمستقبل والماضي موجودان كوجود اللحظة الحالية ,الماضي لم يتلاشى والمستقبل موجود حاليا, فالماضي والحاضر والمستقبل متواجدون بنفس الطريقة {سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدراً مقدوراً} (الأحزاب:38)

maxresdefault

كما يمكننا تصور الفضاء متواجدا هناك باسره يجب علينا ان ندرك ايضا ان الزمن موجود بنفس الطريقة كل شيء حدث وسيحدث كله متواجد ,ابتداءً من تكون الارض قبل نحو 4.5 مليار عام مرورا من ليوناردو دافنشي يضع اخر لمساته على الموناليزا الى اول يوم لك في المدرسة مرورا بأحداث لم تحدث بعد مثل نزول اول شخص على المريخ .

بهذه البصرية الجريئة حطم أينشتاين مبادئنا التي كنا نفهم ,بها الزمن التفريق بين الماضي والحاضر والمستقبل كما قال مَرة (مجرد وهم) رغم ظننا ببديهيته.

السؤال الان هل نستطيع حتى أن نتصور نظرية تُفسر كل ما يمكن أن نعرفه عن الكون؟

يسعى الفيزيائيون الى ايجاد صيغة تفسر كل الظواهر التي تحدث في الكون في نظرية واحدة ,هذه النظرية يجب ان تربط بين القوى الاساسية الاربعة المعروفة لتفسر كل شيء وهي:

  1. الجاذبية
  2. النووية الشديدة
  3. النووية الضعيفة
  4. الكهرومغناطيسية

لكن الحقيقة، هي لن نستطيع ان نعرف. هناك نتيجة رياضية، تدعى “نظرية مانشاك” (Manchak’s theorem)، تنص على أنه من المستحيل معرفة كل شيء عن طبيعة الكون. لب هذه النظرية، هو أنك تستطيع إدراك الأشياء التي مضت، ومن بين هذه، تستطيع فقط أن تدرك تلك التي لا تتطلب نقل المعلومات بسرعة تفوق سرعة الضوء لكي تتمكن من إدراكها. السبب في ذلك، كما لاحظ أينشتاين، هو أن الضوء يضع حداً كونياً أقصى للسرعة. “هذا يعني أنك تستطيع فقط إدراك الأشياء ضمن ما يسمى (المخروط الضوئي الماضي) past light cone الخاص بك”، كما يوضح بترفيلد. ويضيف أنه عبارة عن “كل مجموعة الزمكان التي تستطيع أن تُرسل لك إشارة تنتقل بسرعة لا تزيد عن سرعة الضوء. وإذا أخذت في الاعتبار ما يفرضه هذا القيد من حدود، فحتى لو كانت لديك معرفة كاملة عن مخروطك الضوئي الماضي، فإنك لن تعرف شيئاً عن الشكل العالمي للزمكان. إن نظرية (Manchak) هي نظرية حزن وتشاؤم”.

 

المصادر

1 2 3 4

Notice

 

Comments

comments

5 Comments

Leave a Reply
  1. ههههه الفقرة الاخيرة رجعت الامل مقال رائع لكن هل من اثباتات علمية على صحته

  2. !!!!!!!!!!!!عقلي تفجر معقول في انسان بقدر يفكر بهاي الطريقة

One Ping

  1. Pingback:

اترك رد