Share, , Google Plus, Pinterest,

Posted in:

الجسد البشري: مجمع سكني فاخر تقطنه كائنات عديدة بتفضيلات مختلفة!

الميكروبات موجودة في كل مكان؛ في الهواء، الماء، التربة وحتّى في أماكن أخرى كثيرة جدًّا قد لا تتصورها. بدون الميكروبات سوف تنهار الحياة على الأرض وذلك لدورها الأساسي والفعّال الذي تؤديه في دورة الحياة للكائنات الحيّة، مثل عملية البناء الضوئي مثلًا، ودورة الغذاء داخل جسم الإنسان، بالإضافة إلى وظائف أخرى منها نمو الأعضاء والحماية (المناعة) تقوم بها الميكروبات في النبات والإنسان على حد سواء. في هذا المقال سنوضح العلاقة بين الإنسان وذلك العالم غير المرئي، وهذه العلاقة هي التي تحدد ما إذا كنا نحيا حياة صحية أم لا.

Bacteria with selective focus
Bacteria with selective focus

أنت والميكروبات

في الواقع أنت مغطى بشكل شبه كامل بالكائنات الدقيقة مثل البكتريا والفيروسات والفطريات، وتنتشر هذه الكائنات بأرقام خيالية في جسدك كله! ولحسن الحظ هذا شيء جيد وليس سيئًا. يُشار للميكروبات التي تستعمر جسد الإنسان بعد ولادته مباشرة وتبقى معه طوال فترة حياته باسم Normal Flora أو كائنات مجهرية طبيعية (غالبًا فطريات وبكتيريا وتتميز بأنها تعيش في هذه البيئة طوال حياتها ولا تنتقل منها)، ويمكن أن تتواجد في عدة أماكن في جسم الإنسان منها الجلد، وخاصة الأماكن الرطبة منه (بين الأصابع مثلًا)، وأجزاء من الجهاز التنفسي مثل الأنف وأجزاء من جهاز الإخراج والجهاز الهضمي (القولون والفم) وهناك أماكن في الجسم تسمى بالأماكن العقيمة، حيث لا تستوطنها تلك الكائنات الدقيقة مثل الدماغ والنخاع الشوكي والرئتين والدورة الدموية. بعد استعمار هذه الكائنات الدقيقة الطبيعية للجسم، يُشار لجسم الإنسان بالمُضيف حيث يوفر بيئة فريدة لحياة هذه الكائنات المختلفة، ويُشار للعلاقة بين المُضيف (الإنسان) والميكروب بالعلاقة المشتركة أو المنفعة المتبادلة، حيث يستفيد كلا الطرفين.

scientificamerican0612-36-I4

وتختلف هذه العلاقة عن علاقات أخرى مع الميكروبات قد تقود لنفع الميكروب دون ضرر المُضيف، وفي أوقات أخرى يستفيد الميكروب على حساب المُضيف (مثال ذلك الحالات المرضية التي تسببها الكائنات الدقيقة). إذًا الميكروب قد يتواجد في جسم الإنسان كمستعمر يستفيد من الغذاء ويقدم خدمات مختلفة colonize، أو أنه قد يتواجد كطفيلي بحيث يستفيد من الغذاء والمكان ولا يقدم شيئًا للمُضيف parasite، أو قد يسبب أذى أو ضررًا للمضيف pathogen. وفي الحالات الثلاثة الأمر لا يخلو من المفاجآت، فقد تساهم الكائنات الضارة في تسهيل الهضم وقد تنقلب الكائنات الطبيعية النافعة ضدك أو يتم استبدالها بنوع آخر ضار أقوى منها. في الفقرات القادمة سنستعرض هذه الاحتمالات أثناء التعرف على مجتمعات الميكروبات المختلفة في جسم الإنسان مصنفة وفقًا لأماكن تواجدها. normalflorabody

الجلد

جلد الإنسان في الواقع ليس بالمكان الأمثل لحياة الميكروبات وذلك لجفافه الشديد مقارنة بداخل الجسم (الرطوبة والماء أساس حياة كل الكائنات) أضف إلى ذلك الحموضة الطفيفة التي يتميّز بها الجلد وعدم توفر مصادر تتغذى عليها هذه الميكروبات سوى خلايا الجلد الميتة فقط؛ وفي ظل تلك الظروف هناك أنواع قليلة جدًّا من الميكروبات تمكنت من التكيف والعيش على السطح. أحد هذه الأنواع هي بربيونية حب الشباب Propionibacterium Acnes وهي بكتيريا غير ضارة تعيش على الجلد، ولأنها جرثومة لا هوائية (تستطيع الحياة بلا أكسجين أو بمستوى منخفض منه) فهي تعيش في المسام والغدد العرقية وتسبب هذه الجرثومة حالة جلدية مشهورة وهي حب الشباب، ولكن في المقابل فهي تعمل على سد الثغرات أمام ميكروبات أخرى خطيرة قد تنفذ من خلال الأماكن التي تستوطنها لولا وجودها فيها.

bigstock-Dirty-palm-print-29723921-640x640

نوع آخر يعيش على الجلد وهو المكورات العنقودية البشروية Staphylococcus Epidermidis وهي من الجراثيم غير الضارة ولكن يمكن أن تصبح كذلك إذا توفرت لها الظروف المناسبة، منها استخدام أدوات طبية ملوثة على المرضى، حيث تنتج هذه البكتيريا مضادات للمضادات الحيوية وتدخل مع تلك الأدوات وتسبب عدوى تهدد حياة المريض بعد ذلك (تقنيات الجراحة المستخدمة اليوم تجعل هذا الأمر شبه نادر).

staphylococcus_epidermis_organisme.jpg__1920x1080_q85_crop_subsampling-2

الأنف

Community_associated_Methicillin-resistant_Staphylococcus_aureus_b2340183_1

الأنف البشري يعد موطنًا لميكروبات نادرة تعرف باسم المكورات العنقودية الذهبية Staphylococcus Aureus، وتعرف بدورها البارز في المستشفيات، حيث تسبب العدوى الجراحية والعدوى العامة للمرضى، وخطورة هذا النوع تكمن في عدم تأثره بمعظم المضادات الحيوية التجارية المتاحة لأنها تكيفت معها وأصبحت تقاومها. تنتقل هذه الميكروبات من أنف الأطباء أو الممرضين أو العاملين بالمستشفيات إلى المرضى وتسبب العدوى (المريض في هذه الحالة يمتلك مناعة ضعيفة وقد يكون لديه جروح يستغلها الميكروب في الدخول)، لا يتواجد هذا الميكروب لدى كل الأشخاص ولا يعلم الأطباء السبب حتى الآن.

الفم

يقدر عدد أنواع البكتيريا في فم الإنسان واللعاب بحوالي 600 نوع تقريبًا، أشهر هذه الأنواع البكتيريا العقدية الطافرة Streptococcus Mutans، وتعيش تحديدًا في الأغشية الخلوية لسطح الأسنان أو طبقة Plaque، حيث تتغذى على السكر وتحوله إلى حمض اللاكتيك الذي يؤدي بدوره إلى تآكل مينا الأسنان وتكون الحفر والثغرات فيها.

1280px-Streptococcus_pneumoniae_on_Columbia_Horse_Blood_Agar_-_Detail

نوع آخر من البكتيريا التي تستعمر فم الإنسان هي البكتيريا العقدية الرئوية Streptococcus pneumoniae، تعيش هذه البكتيريا في الفم والحلق منتظرة الفرصة التي يضعف فيها جهاز المناعة لتهاجم الرئة وتسبب بعد ذلك مرض الإنفلونزا. إزالة النوع الأول الذي ذكرناه سيسبب زيادة لهذا النوع من البكتيريا ويزيد إحتمال الإصابة بالالتهاب الرئوي.

المعدة

normalflorapylori

تُرى ما هي البكتيريا التي يمكنها أت تعيش في بيئة شديدة الحموضة مثل المعدة؟ ليس كثير في الحقيقة فهناك أنواع قليلة من البكتيريا تمكنت من التكيّف مع تلك الحموضة والعيش في المعدة، منها بكتيريا فم المعدة المعروفة باسم Helicobacter Pylori. تمكنت هذه البكتيريا من الحياة داخل المعدة عن طريق حفر ثقوب في جُدُر المعدة المخاطية التي تبطنها حيث يكون مستوى الحموضة أقل، وتقوم بإفراز أنزيم يساعدها على تحويل بعض العصارات التي تفرزها المعدة إلى أمونيا وثاني أكسيد الكربو،ن وهي سبب رئيس من أسباب قرحة المعدة.

 

القولون والأمعاء الدقيقة

normalfloracolon

مقارنة بالمعدة، فالأمعاء الدقيقة بيئة أفضل بكثير من حيث مستوى الحموضة، ولكنها تقدم تحديًا جديدًا للميكروبات وهو معدلات التيارات أو التدفقات المرتفعة التي تقوم بسحب البكتيريا معها إلى خارج الجسم نحو جهاز الإخراج؛ ولذلك فنسبة البكتيريا هناك غالبًا ما تكون منخفضة (مليون بكتيريا لكل ملّيلتر) والتي تقوم الأنزيمات التي يفرزها الجسم بالقضاء على أغلبها بعد ذلك، ولعل الجسم يقوم بهذا السلوك للحفاظ على المواد الغذاية الغنية هناك مثل السكر البسيط (سكر غير مركب وسهل الامتصاص) والبروتينات.

بينما يستغرق الطعام من 3 إلى 5 ساعات أثناء رحلته في الأمعاء الدقيقة، قد تستغرق البكتيريا من 24 إلى 48 ساعة خلال رحلتها في القولون، وهو وقت كافٍ يسمح للبكتيريا بالتكاثر إلى معدلات مرتفعة (10 تريليون لكل ملّيلتر) وتشغل البكتيريا من 35% إلى 50% من مساحة القولون، وتساهم في المراحل الأخيرة من عملية هضم الطعام. في المناطق الغنية، حيث يتوفر الطعام السهل والغني بالعناصر سهلة الهضم والامتصاص، قد لا يكون لهذه البكتيريا دور بارز. ولكن في المناطق الفقيرة حيث الطعام يعتمد بشكل أساسي على النباتات والعناصر صعبة الامتصاص يصبح دور البكتيريا الموجودة في القولون فارقًا بين الحياة والموت، وهناك دلائل تشير إلى أن بكتيريا E.Coli الشهيرة التي تعيش في القولون تساهم في إنتاج فيتامين K الذي يساعد على تخثر الدم.

المهبل

لا يعلم العلماء الكثير عن أنواع الكائنات الدقيقة التي تعيش في القناة المهبلية، ولكن أشهر الأنواع التي تم التعرف عليها هي العصويات الملبنة Lactobacillus، والتي تقوم بدور إيجابي أيضًا لصالح الإنسان، حيث أنها تمنع نمو الفطريات عن طريق إفراز بروكسيد الهيدروجين (تفرزه كناتج من نواتج عملية الأيض الطبيعية لديها). تعمل المضادات الحيوية والالتهابات أو العدوى التي تصيب المهبل بتقليل نسبة هذه العصويات مما يساهم في زيادة فرصة الإصابة بالفطريات.

011108472_prevstill

ما ذكرناه في الأعلى يمثل أمثلة بسيطة جدًّا للكائنات الدقيقة التي تعيش في جسم الإنسان ويمكن منها استنتاج عدة نقاط أهمها أن البكتيريا تقوم بأداء وظائف فسيولوجية وهضمية ومناعية لصالح الإنسان (نقصد البكتيريا النافعة التي تعيش في الجسم منذ الولادة). التوازن من أهم المميزات لهذه الكائنات إذا تغيرت نسب هذه الكائنات في الجسم فالنتائج لا يمكن توقعها. المضادات الحيوية والعمليات الجراحية وتغيير الحمية الغذائية وتلف الأنسجة عوامل يمكن أن تؤثر على هذه النسب، ما زال أمام العلماء 99% من الكائنات الدقيقة التي تعيش في جسم الإنسان لاكتشافها؛ لأن 1% فقط حتى الآن يمكن توفير ظروف مناسبة لها في المعمل ودراستها.

 

المصدر: بحث علمي بعنوان MICROBES AND YOU: NORMAL FLORA

 

 

Comments

comments

Written by طارق عابد

مهندس اتصالات ومترجم وكاتب علمي، أحب القراءة والكتابة.

Follow

124 posts

2 Comments

Leave a Reply
  1. استمتعت كثيرا بقراءة هذا المقال, وتغيرت نظرتي لبعض هؤلاء المتطفلين
    أتمنى أن يكون هناك أجزاء أخرى لهذا المقال…..شكرا جزيلا لكم

    لي سؤال لو سمحتم: يتضح من التفاصيل حول “البكتيريا العقدية الطافرة” أنها هي من تسبب التسوس…. فهل المقصود من جملة “إزالة النوع الأول الذي ذكرناه سيسبب زيادة لهذا النوع من البكتيريا ويزيد إحتمال الإصابة بالالتهاب الرئوي” أن تنظيف الأسنان يؤدي للإلتهاب الرئوي؟؟!

    • ذكر صاحب البحث تحديدا في هذا الجزء الأتي
      “Whether or not tooth decay is a disease serious enough to warrant the use of a new strain of genetically modified bacteria is debatable. The effects of altering the populations of bacteria in the mouth may have unpredictable consequences. For example, Streptococcus pneumoniae is a much more threatening bacteria that can colonize the mouth. It’s an opportunistic pathogen that resides in the mouth and throat awaiting an opportunity to infect the lungs when defense systems are low, such as following an infection with influenza (the flu). Under normal circumstances the growth of S. mutans out competes the growth of S. pneumoniae in the mouth. Would the removal of S. mutans from your oral microflora result in increased growth of S. pneumoniae, and hence an increased risk of contracting pneumonia?”

      ويقصد هنا متسائلاً اذا ان عدد النوع الأول من البكتيريا التي تسبب التسوس يفوق النوع الثاني بكثير وان النوع الثاني يصيب الرئتين وكما ذكرنا فالتوازن امر هام جداً, اذا ما الذي قد يحدث اذا قلّت كمية النوع الأول عن النوع الثاني هل تصبح الأخيرة اكثر فتكاً وتسبب التهابا رئوياً؟.

      وعرض الكاتب لهذا الإحتمال بسبب وجود نوع من البكتيريا المعدّلة وراثياً والتي يمكن وضعها في الفم لتقوم بقتل البكتيريا المسببة للتسوس وتتغذي هذه البكتيريا على معجوب الأسنان. فهو يحذر هنا من ان خطر التسوس اقل بكثير من المخاطرة واخلال الاتزان في اعداد البكتيريا الطبيعية التي خلقنا بها.

اترك رد