تقود سيارتك على الطريق السريع فتفاجأ بعصفور ما يرتطم بالزجاج الأمامي ويلطخ كي شيء! تذهب للسباحة في ساحل البحر، فتجد الشاطيء الرملي مزين بجثث قناديل البحر المؤذية الشفافة، لابد أن الآلاف لا يزالوا بانتظارك بالبحر هناك! تجلس في شرفتك ساعة العصر لترشف كوب الشاي المفضل بالقرنفل، فتجد ذلك الدبور المتوحش يبني عشًا في سقف الشرفة! بالتأكيد سيفى مبيد الذباب بالغرض هنا.

يهرع عامل التحويلة إلى القضبان الحديدية ليرى ما يعوق عمل التحويلة؛ القطار قادم ولابد من تعديل المسار كي لا تتصادم القاطرات وتحدث الكارثة. يدقق النظر بين الفلنكات ليجد سلحفاة قد حشرت نفسها بين قضيبين لتمنع انغلاق المسار بصدفتها الصلبة! يا لك من سلحفاة انتحارية شريرة! لماذا تكرهنا الحيوانات هكذا؟ ما هي مشكلة الطبيعة معنا؟!

 

<

صدقوا أو لا تصدقوا، فهكذا يتعامل الإنسان مع كل ما عداه من المخلوقات على سطح هذا الكوكب! كل شيء مسخر لخدمته لا أكثر، كل شيء هو سلعة تنتظر أن يلتقطها من رف الطبيعة ليستهلكها ولا أكثر! ربما في كون آخر، على كوكب أرض آخر يلاقي الإنسان نفس الويلات من الديناصورات الذكية التي تحكم هناك بالمنطق نفسه: البقاء للأذكي والأقوى وعلى كل مخلوق آخر أن يتكيف مع نمط حياة المسيطر!

مع هذا، فالصورة ليست سوداوية تمامًا لدينا هنا على الأرض. فهناك دومًا مبادرة تقاطعات الحياة البرية والتي تشمل تغيير السلوك الإنساني وتوجيهه للحفاظ على الحيوانات والانتباه لها بوضع اللافتات التحذيرية بمرور قطعان حيوان ما، أو أن هذا الوقت هو موسم هجرة طيور ما، أو أن الشاطيء مغلق لأن هذا هو وقت تزواج سلاحف ما. وكما ترون، فهذا مسلك أقرب إلى الإيجابية السلبية، كإماطة الأذى بالقلب… كأن تمتنع عن وضغ غطاء لبالوعة مفتوحة وتكتفي بوضع لافتة “بالوعة مفتوحة… انتبه!” بجانبها! والنتيجة أنه صار لدينا عدد وفيات سقوط بالبالوعة لا يتعدى 5 أشخاص في اليوم بدلًا من 20! الغريب أن نسبة الأطفال تحت سن السادسة في الوفيات لم تتغير!

لكن الرائع بالأمر هنا، أن هناك جانبًا آخر لمبادرة تقاطعات الحياة البرية يشمل حلًا أكثر إيجابية وتأثيرًا: جسور الحيوانات! تلك الكباري المعلقة أعلى أو أسفل الطرق السريعة لتربط بين طرفي غابة مزقها الأسفلت الأسود أو تصل ما باعدت بينه قناة مائية صناعية. في الولايات المتحدة مثلًا، هناك تقديرات بتأثير شبكة الطرق على النظام البيئة لخُمس المساحة الإجمالية للبلاد، بخسائر لحوادث صدم ودهس الحيوانات تبلغ 8 مليار دولار كل عام! هكذا، تقدم جسور العبور الآمن للحيوانات فوق وأسفل الطرق والمزدحمة ممرًا آمنًا للانطلاق ومواصلة حياتها في موطنها الطبيعي!

<

 

وفي المملكة العربية السعودية، هناك أرقام مخيفة تضمنتها إحصائيات الحوادث المرورية التي تتسبب بها الجمال السائبة والرعوية على طول الطرق السريعة التي تمتد لآلاف الكيلومترات، حيث يقضي ما يقارب 400 شخص نحبهم سنويا بسبب حوادث الجمال إضافة إلى إصابة الآلاف بإصابات مختلفة لعل أخطرها الإعاقة الدائمة. لذا انضمت المملكة لمبادرة معابر الحياة البرية الآمنة بإقامتها عدد من الجسور والأنفاق لعبور الجمال، بما في ذلك معبر واحد إلى الأقل حاليًا ضمن مسار قطار الحرمين في منطقة الشميسي على مداخل مكة المكرمة.

<

يرجع تاريخ أول جسر للحيوانات لخمسينيات القرن الماضي في فرنسا؛ وفي الواقع، فلأوروبا السبق في هذا المجال حتى الآن. هولندا وحدها تملك 66 ممرًا وجسرًا علويًا لحماية ثروتها البرية من حيوانات الغرير، والخنازير، والغزلان! وتفتخر كذلك بوجود أطول جسر للحياة البرية في العالم، وهو جسر Natuurbrug Zanderij Crailoo الذي يمتد لنصف ميل كامل ويعبر سكة حديد، ونهر، ومنتزه، ومجمع رياضي! شيء مدهش ورائع، أليس كذلك؟

<

وعلى الرغم من أن جسور الحيوانات البرية مصممة في الأصل لعبور الثدييات الكبيرة، إلا أنها تتحول بمرور الوقت لمعبر كوني تستولي عليه الطبيعة بالكامل فيصير ملكًا لها! والنتائج مبهرة حقًا. كذلك، لا يجب أن تكون جسور الحيوانات ضخمة وراسخة كالجبال كي تؤتي ثمارها المرجوة منها. فعلى سبيل المثال، ساعد ممر الحيوانات البرية المقام على جزيرة عيد الميلاد Christmas Island باستراليا ما يزيد على 50 مليون سلطعون أحمر على عبور الطريق الإسفلتي المميت ومواصلة رحلتهم في مواسم الهجرة السنوية. وهناك في واشنطون العاصمة، يوجد جسر خاص من الحبال المعلقة بين الأشجار الضخمة في طريق عام مزدحم لإرشاد السناجب وحمايتهم أثناء التنقل بين الأشجار! بالإضافة لجسور وأنفاق أخرى آمنة ورائعة كما نرى تاليًا…

قد لا تكون جسور الحيوانات البرية كافية لحماية الحيوانات حول العالم… هذا أمر مؤكد. لكنها كذلك علامة مهمة بأننا لم نفقد إنسانيتنا بعد، وأن هناك أمل ما بأن ينحو الإنسان منحى آخر في المستقبل، فيشارك غيره من المخلوقات الحياة على هذا الكوكب كما ينبغي. هذا إن بقى هذا الكوكب صالحًا للحياة في النهاية!

 

مراجع: 1 2 3

تعليقات فيسبوك

اترك تعليق

2 تعليقات على "جسور للحيوانات: لأن العالم ليس حكرًا على البشر!"

نبّهني عن
avatar
فرز بواسطة:   الأحدث | الأقدم | الأكثر تصويتاً
wahid aiesh
ضيف
wahid aiesh

لا أدري لماذا لم يرد في الموضوع أي ذكر للجسور في دولنا العربية، معابر الجمال متوزعة في المملكة العربية السعودية، سواء من أعلى الطريق أو أسفله، هذا ما رأيته بنفسي، ولا أظن أن الدول العربية الأخرى منعدمة منها.

‫wpDiscuz